ج3ص186
لا بد أن يكون من جن! ما قبله حتى نقل ابن هشام في تذكرته عن ابن جني أنه لا بدّ من اتحادهما في التذكير ، والتأنيث لكن المبرد لا يشترطه إلا أنّ ابن هشام نازع في اشتراطه واستدل بقوله:
وكنت أمشي على ثنتين معتدلأ فصرت أمشي على أخرى من الشجر
وأنها قد تذكر من غير تقدم شيء آخر يقابلها ، وتحقيقه ما في المسائل الصغرى للأخفش
في باب عقده له قالط فيه أعلم أنّ آخر إنما يكون من جنس ما قبله تقول أتاني رجل ، وأتاك آخر أو وأتاك رجل آخر أو أتاني رجل وأتاك إنسان آخر ، ولو قلت: أتاني رجل وامرأة أخرى لم يكن كلاما ، ولو قلت: أتاني صديق لك وعدو لك آخر لم يحسن ، وربما جيء بآخر توكيدا ، ولو لم تقل آخر استغنيت عنه فإن قلت: فهل لا يجوز جاءني صديق لك وعدو لك آخر بحمله على الإنسان قلت: هذا قبيح أن تحملهما جميعًا على المعنى إنما تحمل الأوّل على المعنى إذا كان الكلام قد مضى ، ولو قلت: هذا الرجل ، ورجل آخر لو لم تقل فيه آخر استغنيت من أجل العطف لأنه لا يظن أنّ الثاني هو الأوّل كما في غير العطف ، ولو قلت: جاءني زيد وعمرو آخر لم يجز ، وقد يجوز ما امتنع بتأويل كرأيت فرسا وحمارا آخر نظر الدابة قال امرؤ القيس: إذا قلت هذا صاحب ورضيته وقرّت به العينان بذلت آخرا
اص وحاصله أنه لا يوصف به إلا ما كان من جنس ما قبله لتتبين مغايرته في محل يتوهم
فيه اتحاده ، ولو تأويلا ، ومثله قوله عز وجل: { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } وهذا ما عليه استعمال العرب ومن لم يقف على هذا خبط فيه خبط عشواء. قوله: ( بليغ القدرة الخ ) أخذه من صيغة فعيل فإنها للمبالغة ، وقوله: هو خطاب لمن عادى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وعلى الأوّل كان عامًّا وقوله: ( لما روي ) أنه لما نزلت يعني قوله: د إن تتلوا لا قوله { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ }
فإنّ المنقول في الأثر الأوّل حتى نسب من ذهب إلى الثاني إلى السهو كما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير ، وقوله: قوم هذا يعني فارس. قوله: ( كالمجاهد يجاهد للفنيمة ) هذا على التمثيل لا الحصر ، وإنما مثلوا به لأنّ ثواب الدنيا ، والآخرة معا قلما يجتمع في غير الجهاد والجزاء ليس هذا المذكور لأنه غير مسبب عما قبله فالجواب مقدر أقيمت علته مقامه أي فليطلبه ، فإنّ عنده ثواب الدارين أو أنه مؤوّل بما يجعله مترتبًا عليه ، لأنّ مآله إلى أنه ملوم موبخ لتركه الأهم الأعلى الجامع لما أراده مع زيادة لكن من يشترط العائد في الجواب يقدره ، ولذا قال الزمخشرفي المعنى فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط فلا بد من تقدير الجزاء أي فقد خسر فعند الله ثواب الدنيا ، الاخرة وطالبهما رابح ، وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى أنّ طلب الغنيمة مع نية الجهاد في سبيل الله لا يضرّ وإنما الضار طلب الغنيمة فقط ، ولا بعد فيه وقيل إنه لا أجر له ، والتفسير الثاني يناسبه لأنه يقتضي عدم اجتماعهما ، وقيل: يعتبر الغالب والأسبق. قوله: ( عارقًا بالأغراض الخ ) إنما فسره بهذا لأنه تذييل لقوله: { مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا } وليس فيها مسموع ، ولا مبصر فلذا جعل الصفتين عبارة عن اطلاعه على غرض المريد للدنيا أو الآخرة ، والاطلاع عبارة عن الجزاء ، وليس مراده إرجاع صفة السمع والبصر إلى العلم حتى يخالف المقرّر في الكلام ، ولذا قيل إرادة الثواب إما بالدعاء أو السعي والأوّل مسموع ، والثاني: مبصحر فلذا ذيلها بقوله: سميعًا بصيرًا ، ولا يخفى أنّ ما فعله المصنف رحمه الله تعالى أبلغ لأنّ الاطلاع على نفس الإرادة ، والغرض! اطلاعا كالمحسوس أقوى من الاطلاع على آثاره إلا أن في إطلاق العارف على الله شيء لأنهم صرحوا بأنه تعالى يقال له عالم ، ولا يقال له عارف لكنه في نهج البلاغة أطلقه عليه تعالى ، وقد ورد في غيره أيضا ، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه. قوله: ( مواظبين ) إشارة إلى أنّ القيام المواظبة كما في قوله تعالى: { يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ } ( أي يديمونها خصوصًا ، وقد ذكر بصيغة المبالغة ، وجعلهم شهداء دلّه تعظيما لمراعاة العدالة ، وأنهم بالحفظ لها يصيرون من شهداء الله. قوله: @@@
( بأن تفرّوا عليها الخ ) يعني الشهادة مجاز عن الإقرار لأنّ شهادة المرء على نفسه لم تعهد ، ولذا فسرها ببيان الحق ليشمل الإقرار ، ولك أن تقول أنّ المقصود به المبالغة لا حقيقتها ، والظرف أعني على أنفسكم كما يجوز