النظر ما فيه مصلحة أو ضرورة، كنظر الخاطب إلى مخطوبته -بل استحبه بعض العلماء- وكنظر الإنسان إلى محارمه.
وإذا كان النظر المحرَّم يشكل خطرًا عظيمًا على المجتمع المسلم الذي يتميز عن غيره من المجتمعات بالحشمة والسَّتر؛ فإن الشرع سنَّ آدابًا تتمشى مع مصالح المجتمع، فشرع الاستئذان، حتى إن الله -سبحانه وتعالى- أنزل أحكام الاستئذان في محكم التنزيل، وهذا من كمال التشريع الذي يلمّ بكل صغيرة وكبيرة، ومن أهمية هذا الأدب أيضًا.
والاستئذان أدبٌ رفيع يحفظ للبيوت حُرماتها، وإنها لحرمات عظيمة تطويها بيوت المسلمين، وأي حرمة أعظم من هذه الحرمة التي تجعل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يهدر عينَ من اطّلع على دار قوم بغير إذنهم، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي، - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه؛ لم يكن عليك جناح» [1] .
فالاستئذان يحقق للبيوت حرمتها، ويجنب أهلها الحرج الواقع من المفاجأة والمباغتة والتأذي بانكشاف العورات، والعورات كثيرة تعني غير ما يتبادر إلى الذهن، فليست عورة البدن وحدها وإنما يُضاف إليها عورات الطعام، وعورات اللباس، وعورات الأثاث التي لا يحب
(1) رواه البخاري في كتاب الديات، باب من اطلع على بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له (12/ 253 فتح الباري) . ومسلم في كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت الغير (14/ 1138 بشرح النووي) .