وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لو اطلع في بيتك أحدٌ فلم تأذن له، فخذفته [1] بحصاة ففقأت عينه- ما كان عليك من جناح» [2] .
وفي الأثر عن عمر -رضي الله عنه-: «من ملأ عينه من قاع بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق» [3] .
ففي هذه الآثار الصحيحة عدة مسائل:
المسألة الأولى: إهدار عين من اطلع في دار قوم بغير إذنهم، وقد دلَّت تلك الآثار على هذا دلالة صريحة، وإلى هذا ذهب الحنابلة والشافعية، فقالوا: إن عينه هدر لا قصاص فيها ولا دية.
واستدلوا بالأحاديث المتقدمة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «ما كان عليك من جُناح» . وإيجاب الدِّية أو القصاص جناح. ولأن قوله - صلى الله عليه وسلم: «لو أعلم أنك تنظر طعنتُ به عينك» يدل على الجواز.
فلا يمكن أن يهمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا على فعل جائز. فلما جاز فقؤها استلزم أنه ليس عليه شيء.
قال النووي -رحمه الله- في الكلام حول حديث أبي هريرة -المتقدم-: في الحديث جواز رمي عين المتطلع بشيء خفيف، فلو رماه
(1) خذفته: أي رميته بها من بين أصبعيك (شرح النووي على مسلم 14/ 138) .
(2) أخرجه البخاري في الديات، باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان (12/ 225 فتح الباري) .
(3) أخرجه البخاري، حسبما عزاه له الحافظ، راجع فتح الباري (11/ 26) .