الصفحة 19 من 44

فعلا أو رأى على الحقيقة.

أما إذا كان الحديث عن أمر حدث تلقى خبره عن شخص آخر، أو أدركهما نتيجة تفكر واستدلال، فإن ذلك يتطلب من الرجل الصادق التروي والاحتراس؛ ذلك أن هذين الأمرين قد يزلقان الرجل إلى القول بما يخالف الواقع والحقيقة في أحايين كثيرة فينزلانه محل ضعاف الثقة، وقد تنسب إليه صفة الكذب، ولذا وجب أن لا يُحَدِّث بها قبل أن يتأكد من حقيقتها، وإن رأى الحال يتطلب روايتها والحديث عنها، فعليه أن يعرض ما يرويه مسندا ذلك إلى رواتها حتى يخرج من عهدتها في حال صدقها أو كذبها، وأما استنتاجاته وظنونه فله أن يعرضها بصيغة الاحتمال فلا يطرحها بصيغة الجزم .. ولذا فمن أسند حديثه إلى من سمعه منه، واقتصر في استدلالاته واستنباطاته فقط حقق الصدق.

ومما لا يخرج عن حدود الصدق أيضًا الكناية والمجاز بأنواعه المختلفة، فلا يعد ما جاء على سبيل ذلك من الكذب نظرا لوجود قرينة تدل على إرادة المجاز، كقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60] أو كقولك: (أكلت التفاح) و (شربت النهر) وأنت في الحقيقة لم تأكل إلا تفاحة واحدة ولم تشرب إلى جزءا يسير من النهر.

وأما القصص الخيالية سواء التي تُحكى على ألسنة الجماد أو الحيوان أو على ألسنة أناس يُستدل بقرينة يضعها المتكلم للدلالة على أنها من اختراعه ونسج خياله وتستهدف العبرة والعظة. فإنها تلحق بالكذب لأنها من قبيل الإخبار بما يخالف الواقع. ولكنه عُدَّ عند بعضهم أن ذلك من الكذب المباح، لأن العرف ولسان الحال جريا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت