فاحشًا فإنه يجوز له أن يصوغ حديثه في أسلوب لا يجلب ضررًا. وأن يأخذ بالتعريض، وهو الأسلوب المحتمل لمعنيين يفهم السامع منها معنى ويريد المتكلم منها معنى آخر وإن شئت فقل: (هي ألفاظ ذاتُ وجهين: أحدهما غير حقيقة، وهو ما يسبق إلى فهم المخاطب، وثانيهما حقيقة، وهو ما يقصد المتكلم. ويحق لك أن تسمي اللفظ من أجله حديثًا صادقًا. وهذا ما يفعله الذين أُشربوا صدق اللهجة، متى عرفوا أن في القول الصريح حرجًا أو خطرًا) [1] .
ومما يساق مثلًا لهذا أن أبا بكر الصديق كان يُسأل عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة، وهو يريد كتم أمره، فيقول: هذا يَهْدِيني السبيل. يريد أبو بكر من: (السبيل) سبيل الخير والسعادة، ويحملها السائل على الطريق التي يسلكها المسافرون.
عُني الإسلام بصدق الحديث جهد العناية، ويريد مع هذا للأمة إخاء وائتلافًا يجعلها كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ويريد لجيشها الفوزَ على الأعداء، ويرغب في أن يكون الزوجان على وفاق، وحياتهما في نظام، لهذا خفف المصطفى صلوات الله عليه في الكلمة: يقولها الرجل ليطفئ عداوة استمرَّت بين طائفتين، أو يقولها في حرب ليكفيّ قومه قارعةً تسلِّط الأعداء، أو ليِّسكت غضب زوجته الصالحة.
وقد ذهب القاضي أبو بكر العربي في تأويل الحديث إلى أنه أذِن في المعاريض، فذكر هذا الحديث الذي يُروى في استثناء الحرب والإصلاح وإسكات غضب الزوجة، ثم قال: ولكن ذلك بالمعاريض،
(1) صدق اللهجة.