ولذلك استنبط شيخنا ابن تيمية من هذه الآية أن المعاصي سبب لعدم فهم القرآن.
وقال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . فمن تطهّر من دنس المعاصي فتح الله عليه بفهم معاني القرآن، ومن تدنّس بالمعصية تشوَّش.
- {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [سورة الفرقان:37]
تأمل كيف قال: {كَذَّبُوا الرُّسُلَ} مع أن قوم نوح لم يأتهم غير نوح! فهذه دلالة على أن من كذب برسالة رسول فقد كذب برسالة الرسل جميعًا؛ لأن رسالتهم واحدة وهي: التوحيد.
ومثل قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} ، وقوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} ، وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} ، فجميع الرسل بُعثوا بالتوحيد وما تضمنه من نفي وإثبات؛ فمن كذب برسالة رسول فقد كذب رسالة جميع الرسل، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ، فجميع الرسل بُعثوا بهذه الكلمة (لا إله إلا الله) وقد فسر الله تعالى ما تحتويه هذه الشهادة من نفي وإثبات بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} .
- {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [سورة محمد]
هذه القراءة الأكثرين وهي قراءة متواترة كالقراءة المعروفة الأخرى (قُتِلوا) التي تبشّر الشهداء، والقراءة (قاتلوا) تدخل في هذه البشرى؛ كل من قاتل في سبيل الله وهو كما عرفه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، و (كلمة الله) هي التوحيد (لا إله إلا الله) ، وتعني: لا معبود بحق ولا مشرّع بحق -فيما لا يجوز تشريعه- إلا الله. فليصحح كل مقاتل نيته، وليختصر فصيله ورايته وغايته مراعيًا ذلك؛ ليظفر بهذه البشرى.
اللهم اجعلنا من أهلها على القراءتين.