ولقد كانت الدعوة المتكررة إلى فتح باب الاجتهاد والتجديد سببا لأن يلج هذا المضمار من يحسنه، ومن لا يحسنه، مما أدى في أحيان كثيرة إلى تجاوز مسلمات شرعية والتشكيك فيها، وإثارة التساؤلات حولها، والمطالبة بإعادة النظر فيها، وهي من قواطع الإسلام التي انعقد عليها الإجماع عصرا بعد عصر. سواء أكان ذلك التشكيك والتجاوز بالقول بتاريخية النص القرآني، أو بيئية النص النبوي، وعدم حجيته في شؤون الدنيا، أو بتفعيل فقه المقاصد والمصالح والكليات، وتوظيفه بشكل سيء للغاية أدى إلى هدر النصوص الجزئية، والأحكام التفصيلية الثابتة وذلك خروجًا عن قواعد وضوابط هذا العلم كما أقرها العلماء، وهو ما وقع فيه كثير من الكتاب الإسلاميين.
وقد استند المؤولون في كثير من تأويلاتهم على اجتهادات لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه - ظنوها تسند آراءهم، وسأتكلم على توجيهها وأبين حقيقة اجتهاد عمر وأنه ليس فيه مستند لما فهموه منه.
ويمكنني القول:
إن الباعث الرئيس على التأويل عند المعاصرين هو الضيق ذرعا بالمناداة بتطبيق الشريعة، والرغبة الجامحة للتوفيق بين مفاهيم الإسلام وشريعته من جهة ومبادئ الثقافة الغربية الوافدة مع اعتبار الأخير ثابتا مطلقا، والأول هو المتغير والنسبي الذي يتحتم عليه الانسجام مع معطيات العصر ذات الصبغة الغربية.
لهذه الأسباب رأيت أن من واجب الباحث المسلم الغيور على دينه وثقافته أن يتصدى لهذه الموجة التغريبية العلمانية باسم الإسلام، وذلك بوضع قواعد أصولية شرعية يتميز بها التأويل الفاسد الباطل عن التأويل الجائز المبني على ضوابطه الصحيحة.