إن الناظر بعين بصيرته إلى التاريخ الإسلامي يتبين بوضوح أن التأويل المتعسف الفاسد كان ملاذ الفرق الضالة وملجأهم، وأن اعتمادهم على التأويل إنما كان بحثا عن شرعية لأفكار ومقررات مسبقة لديهم نابعة من الفلسفات البشرية، أو هوى شخصي، فأحبوا أن يضفوا عليها الصبغة الشرعية بإسنادها بنصوص قرآنية أو حديثية، ظنوا أنها تؤيد دعواهم، وفي سبيل ذلك ردوا الأحكام القاطعات والآيات المحكمات التي تعارض أوهامهم وخيالاتهم بالتأويل الباطل لأنهم لا يستطيعون رد النصوص بشكل سافر وصريح.
كذلك فعل الخوارج ومن بعدهم الشيعة، والمعتزلة، والباطنية، والمتصوفة، والزنادقة وكل فرق الضلال على مدى التاريخ الإسلامي. فالتأويل الفاسد هو باب الشر المفتوح على الأمة ودينها، الذي يلج منه كل دعي وباغ للهدم والتخريب، والتلبيس، والتدليس في الدين.
وقد أصبحت موضوعات التأويل وما يلحقه من"الاجتهاد"و"التجديد"و"فهم النصوص"و"القراءات المعاصرة للنصوص الدينية"حديث الساعة بين المثقفين المعاصرين، وأصبحت تشكل منتهى الطريق الذي وصل إليه العقل المعاصر في جدله، حول"العلاقة بين العقل والنقل"أو بين"العقل والنص"كما هي عبارتهم.
يدل على ذلك أنها تحظى بمساحة واسعة في كتابات المفكرين المعاصرين على اختلاف انتماءاتهم سواء أكانوا من حملة المشروع النهضوي الإسلامي، أم من دعاة المشاريع التغريبية اللادينية. ويكفي للتأكد من صحة ذلك النظر إلى حجم النتاج الثقافي المتمثل في الكم الهائل من الكتب، والأبحاث، والمقالات الصادرة في الأعوام الأخيرة.