ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا، فيجوز أن يقول قائل"هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشارع" (1) .
فهنا تعارضت المصلحة، وهي حفظ دار الإسلام وحفظ أرواح المسلمين عامة مع النصوص القاضية بعصمة دم المسلم وحرمة إراقته - الأسارى - مع انعدام دليل شرعي في هذه المسألة بالخصوص.
ولنا أن نقول:
تعارضت المصلحة، وهي حفظ دار الإسلام بما فيها، مع مفسدة وهي قتل جماعة من المسلمين الأبرياء - الأسارى-، أو تعارضت مفسدتان وهما ترك الكفار يستبيحون دار الإسلام قتلا ونهبًا وإفسادا، أو قتل عدد من المسلمين الأبرياء.
فلا شك في جواز بل وجوب ترجيح المصلحة العامة العليا، وهي حفظ دار الإسلام بمن فيها، على قتل جماعة وعدد محدود منهم، مع أن قتل مسلم بريء لا عهد به في الشرع، وليس من دليل خاص يجيزه، ولكنه جار على قواعد الشرع وأصوله العامة للأسباب السابقة،والقواعد الفقهية تؤيده مثل"الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف"و"يختار أهون الشرين"و"إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما"و"ويتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام" (2) . فكان هذا تأويلا وتخصيصا لعموم النصوص المحرِّمة لقتل المسلم، وهي قطعية، بالمصلحة.
ولكن دعنا نتساءل: هل المصالح التي هي من هذا القبيل، هي حقا مصالح"مرسلة"لا دليل من الشرع على اعتبارها أو إلغائها؟ وهل تحديد كونها مصلحة عامة رجع فيه إلى العقل المجرد والرأي المحض؟ ولا دخل للشرع فيه بحال؟
أقول:
(1) نفس المصدر 1/420.
(2) المدخل الفقهي العام 2/977-978.