فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 528

أيا من ذلك لم يكن، فكون حفظ دار الإسلام، وصون أرواح عامة المسلمين مصلحة عامة، عرف بطريق الشرع لا بطريق العقل، وهو ما صرح به الغزالي نفسه، وبنى عليه ترجيح هذه المصلحة على النصوص المحرمة لقتل الأسارى، حين قال في تحليله للمثال المذكور"لأن حفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشارع، لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل المقصود بهذا الطريق: وهو قتل من لم يذنب: غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة مأخوذة بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها، باعتبار ثلاثة أوصاف: أنها ضرورية، قطعية، كلية" (1) 1).

فتحصل لدينا، ان هذه المصلحة قد عرفت بمقصود الشرع، وأن مقصود الشرع، قد أدركناه لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، أي أدلة عامة لا خاصة بهذه المسألة، فإذا سلمنا بذلك - وهو مسلم - كان هذا رجع القول إلى تخصيص النصوص ببعضها لا فرق. اللهم أن هذا تخصيص لنص معين بدلالة نصوص كثيرة غير معينة.

والغزالي يشترط لجواز تخصيص عمومات النصوص بالمصالح، أن تكون هذه المصالح ضرورية، قطعية، كلية، وهو ما عبر عنه في موضع آخر بقوله"التخصيص بالمصلحة جائز إذا كانت كلية، قطعية - أو ظنية قريبة من القطع - وشهدت لها أصول الشرع" (2) .

ومقتضاه أنه لا يرى جواز التخصيص بالمصالح إن كانت حاجية أو ظنية، إذ أنه قد قسم المصالح إلى ضرورية ثم حاجية ثم تحسينية، حسب درجة الحاجة، مع أن كل واحده من هذه المراتب تتفاوت في نفسها.

(1) المستصفى بتحقيق الأشقر 1/420.

(2) نفس المصدر 1/421، 422، 424.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت