ومسألة التترس هذه تصلح كمثال على تأويل النصوص بالقواعد الفقهية، كما أنها تصلح كمثال على تأويل النصوص بدليل النظر في مآل الفعل: إذ أن جواز قتل الأسارى المسلمين الأبرياء، جاز باعتبار أن عدم قتالهم مآله إلى غلبة الكفار على دار الإسلام واستئصال شأفة المسلمين.
ومن هنا نستنتج أن شرط التأويل بدليل النظر في مآل الفعل - عند من يعتبره دليلًا -، أن تكون المصلحة المتوخاة من وراء تخصيص النص وتأويله ضرورية أو قطعية - أو ظنية قريبة من القطع - وكلية، لا تعارض مقصود الشرع، وراجحة على المصلحة المتحققة من الفعل ذاته.
المثال الثاني:
مسألة"التسعير الجبري"أو قيام ولي الأمر بتحديد الأسعار.
وهي مسألة يكثر الاستناد إليها والاستشهاد بها في الاستدلال على جواز تأويل النصوص الشرعية بالمصالح"المرسلة"العامة، ومعارضتها بها (1) .
وقد قال به بعض العلماء، وذلك في السلع التي تمس إليها حاجة الناس، رفعا للضرر عنهم ومراعاة للمصلحة العامة، لئلا يغالي التجار ويطمعوا في زيادة الأرباح، وذلك معارضة وتأويل لنص الحديث الصريح بالتحريم - كذا زعموا - وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - لما طلبوا منه أن يسعر لهم"إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (2) .
والصحيح أن يقال أن التسعير لم يأت تحريمه مطلقا، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل جاء عدم التسعير معللا بعلة منصوصة وهي"خوف الظلم"فإنما رفض الرسول - صلى الله عليه وسلم - التسعير الجبري آنذاك، لأنه كان مظلمة والظلم حرام، وإنما كان مظلمة لأن الغلاء كان طبعيًا، إما لكثرة الناس أو قلة السلع، وفي التسعير عند ذلك إلزام التجار بالبيع بسعر لا يريدونه ولا يرضونه فينتفي الرضا في عقد البيع، وفيه ظلم.
(1) انظر: معالم المنهج الإسلامي ص113، النص الإسلامي ص69.
(2) أخرجه الترمذي في سننه 3/597، وقال حديث حسن صحيح.