فرفضه - صلى الله عليه وسلم - التسعير لم يكن مطلقا، حتى يكون قول بعض العلماء بجوازه تأويلا منهم للنص المطلق بالمصلحة المرسلة، بل كان رفضه - صلى الله عليه وسلم - للتسعير معللا بخشية الوقوع في الظلم كما هو ظاهر الحديث وتلك علة منصوصة، وذلك صحيح.
أما إذا صار عدم التسعير هو الذي فيه إلحاق الظلم، لا بشريحة التجار فحسب، بل بالشريحة الواسعة من الناس - وذلك بسبب الاحتكار أو التلاعب بالأسعار، ولم يعد الغلاء طبعيًا نتيجة العرض والطلب - فقد انعكس الأمر، وما كان حراما فقد أصبح واجبا لا جائزا فحسب.
فالنص معلل لا بالعقل، ولا بالهوى المجرد، أو الدعوى الفارغة من الدليل بل بعلة منصوصة دل عليها ظاهر الحديث، والحكم كما هو معلوم يدور مع العلة وجودا وعدما، وما بني من الأحكام على علة فإنه ينتفي بانتفاء تلك العلة، فمن ذهب من العلماء إلى جواز التسعير إذا رآه ولي الأمر، فإنما بنى رأيه على انتفاء علة التحريم، وهي خوف ظلم التجار وتحقق علة الإيجاب -إيجاب التسعير- وهي خوف ظلم الناس.
أضف إلى ذلك أنه من باب تقديم المصلحة العامة - عامة الناس - على مصلحة فئة خاصة وهم التجار، وترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة عند التعارض واجب كما بينت فيما سبق.
ولأن عدم التسعير والحالة تلك -من احتكار لأقوات الناس الضرورية وتلاعب بالأسعار- مآله إلى إلحاق الظلم والضرر بعامة المسلمين والضرر مرفوع والنظر في المآلات معتبر (1) .
وهذه المسألة حسب التحليل السابق - تصلح كمثال أيضا على التأويل بالقواعد الفقهية (تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة - رفع الضرر ) وبمآلات الأفعال.
والأمثلة التي يمكن سوقها في هذا المضمار كثيرة جدا: أذكر بعضها على سبيل الإيجاز:
(1) وانظر تفصيل المسألة في الطرق الحكمية ص244-260، المناهج الأصولية ص162.