فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 528

ولو تفطن إلى حقيقة بسيطة لما أرهق نفسه وعناها هذا العناء، وهي أن علم الله عز وجل بالوقائع والأحوال والأحداث كائن في الأزل، والله عالم بطباع الناس وقدراتهم وأنه سينزل آيات وينسخها تدريجيا، وتيسيرا في التشريع، وهو مقارن لكلامه تعالى بالقرآن، وكلاهما العلم والكلام صفتان لله سبحانه وتعالى، ولم يكن كلامه تعالى حادثا بسبب تلك الوقائع والحوادث والأوضاع، حتى يكون ذكره لها وتنزله بحسبها دليلا على تشكيلها له وتشكله بها، وإلا لكان القرآن حادثا مخلوقا وهو من أبطل الباطل.

وأما توسيع أركون لمفهوم الوحي ليشمل نصوص التوراة والإنجيل بما هي عليه الآن وكتب بوذا وكونفوسيوش وأفكار الفلاسفة فهو من عجائب هذا الفكر المخرَّف.

لأننا نعلم أولا أن الوحي الذي أُمِرنا باتباعه، والذي هو ملزم لنا وحجة علينا هو ما أنزله الله عز وجل على محمد - صلى الله عليه وسلم - دون غيره، مع إقرارنا بأن أصل التوراة والإنجيل هما وحي من عند

الله، قال تعالى { وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي } (الأعراف /203) وقال تعالى { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } (النساء /163 ) وقال تعالى { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (*) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى } ( النجم-3 ) .

ومفهوم أركون هذا للوحي متأثر بما جاء في قاموس الكتاب المقدس في تعريف الوحي:"بأنه حلول روح الله في روح الكتّاب الملهمين، لاطلاعهم على الحقائق الروحية والأخبار الغيبية من غير أن يفقد هؤلاء الكتاب بالوحي شيئا من شخصياتهم، فلكل منهم نمطه في التأليف وأسلوبه في التعبير"وهو أبعد ما يكون عن المعنى المصطلح عليه لمفهوم الوحي، وأقرب ما يكون لمفهوم الكشف المعروف عند الشعراء والمتصوفين (1) .

(1) مباحث في علوم القرآن ص25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت