وقد لجأ بعض المحدثين والمعاصرين إلى التأويل في السنة الشريفة، بعد أن أعادوا إنتاج مقولات الخوارج والشيعة والمعتزلة وغيرهم من فرق الضلال والمعاندة. وألبسوها حللًا جديدة وصبغوها بمفاهيم غربية تدعو إلى سيادة العقل والتعالي عما سموه"الغيبيات". وشمّر حماة السنة وسدنة الحديث عن سواعدهم - وردوا السهام إلى نحور المبتدعين.
ولست الآن في معرض ذكر تلك الشبهات والمقولات والرد عليها كلها فذلك ما تكفلت به الكتب المخصوصة التي ألفت لهذا الغرض.
ولكنني سأتكلم على قضية لم تحظ بالاهتمام الكافي والرد الوافي من قبل المتصدين للدفاع عن السنة، وهي وإن كانت من التهافت والوهاء بحيث لا تنطلي حتى على العوام من المسلمين. إلا أنها تبدو في عقول أصحابها البراهين التي لا تدفع، فصارت تلقى رواجا، وتكرارا في كتابات المعاصرين حتى انزلق إليها بعض أهل العلم. أما تلك القضية فهي تقسيم السنة إلى قسمين:
1.سنة تشريعية: أي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قالها أو فعلها أو أقرها على سبيل التشريع والإلزام، وهي محصورة فيما يتعلق بالثوابت الدينية، والثوابت الدينية عندهم محصورة فيما يتعلق بالعقائد (الغيبيات) كالإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار والملائكة والجن.. الخ، وبالعبادات، كالصلاة والصوم والزكاة والحج. فما ورد في هذين الجانبين من أحاديث، هو سنة تشريعية ملزمة لأنها تشكِّل ثوابت الدين وأسسه، وهي لا تتغير ولا تتبدل ولا تُعدَّل إلى أن تقوم الساعة. فعلى المسلمين أن يلتزموا بهذه العقائد ويؤدوا تلك العبادات والشعائر كما جاءت.