إن السنة غير التشريعية التي يعلمها طالب العلم المبتدئ، والتي نبه عليها علماؤنا هي ما صدر عنه - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى الطبيعة البشرية كالأكل والشرب والقيام والقعود، فهذا لا يكون تشريعا للأمة، لأن هذه الأمور تصدر عن الإنسان بمقتضى طبيعته البشرية، ولكن كيفية أكله وشربه وقيامه وقعوده ونومه تدخل في دائرة الأفعال المستحبة، فتستحب للمسلم متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الكيفيات، ولا شيء عليه إن لم يتابعه فيها.
وكذلك ما صدر عنه بمقتضى خبرته وتجاربه في الأمور الدنيوية مثل تنظيم الجيوش وتدبير الحرب والتجارة ونحو ذلك، فهذا لا يعد تشريعا. ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الجيش في موقعة بدر بالتحول إلى مكان معين أشار به أحد الصحابة بعد أن أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل في مكان غيره.
وكذلك ما كان خاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مثل وصاله في الصوم، والتزوج بأكثر من أربع زوجات ووجوب التهجد بالليل وقبوله شهادة خزيمة وحده" (1) ."
إن السبب في تلك الاستنتاجات يعود إلى عدم تفريق هؤلاء المعاصرين بين ما يعتبر أمرا تنفيذيا وأسلوبا إجرائيا - نحو استخدام وسيلة مادية معينة كالسيف للقتال أو الخيل للكر والفر أو رسم خطة معركة ما أو موضع تأبير النخيل بهدف لقاح الثمر ونحو ذلك مما ذكر علماء الأصول عدم اعتباره تشريعا لوجود القرينة على أنها أفعال دنيوية محضة وأساليب ووسائل لا يقصد بها التشريع. وبين الأحكام الشرعية الجزئية والتفصيلية التي تبين الأحكام التنظيمية للدولة.
(1) د. عبد الكريم زيدان: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص193.