وهذا وأمثاله من كلام الصوفية لو قلنا أنهم أرادوا به تفسير الآيات القرآنية ببيان معانيها التي عليها لا غير، لكان هو بعينه مذهب الباطنية، وذلك لأن المعاني التي حملوا عليها الألفاظ في الآيات السابقة لا تعرفها العرب مدلولات لهذه الألفاظ لا بالوضع الحقيقي ولا بالوضع المجازي المناسب، وليس في سياق الآيات ما يدل على هذه المعاني المذكورة، ومعلوم أن القرآن عربي ومخاطب به العرب الذين يفهمون ألفاظه وتراكيبه، فهذه الآيات المذكورة آنفًا لا يفهم منها العربي أكثر من المعاني المتبادرة إلى فهمه، وأيضًا لم ينقل لنا عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثل هذا التفسير أو يقاربه، ولو كان معروفًا عندهم لنقل، لأنهم أدرى بمعاني القرآن ظاهرها وباطنها باتفاق الأمة، وغير معقول أن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، ولا أدرى بلغة القرآن من قومه الذين نزل بلسانهم وعلى لغتهم (1) .
وقال ابن الصلاح في فتاويه: وجدت من الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي"حقائق التفسير"فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسيرًا، فقد كفر.
قال ابن الصلاح: وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئًا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم تنظير لما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والالتباس (2) .
(1) نفس المصدر 2/366.
(2) فتاوى ومسائل ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه 1/196.