والسبب الذي زعمه هو محض دعوى لم ترد في أي حديث، بل لم يدعيه أحد من المنافقين أو الكفار، ومعلوم أن المسلمين أخذوا الجزية من أهل مصر والشام ومن غيرهم من أهل الكتاب من دون تفريق بين طائفة وأخرى، ولو كان وجود فئة غير مسلمة في المجتمع الإسلامي مسوغا لتعطيل الشريعة لما طبقت الشريعة أبدا حتى في عهده - صلى الله عليه وسلم -، فدعوته متهافتة لا تستحق مزيد نقاش.
المطلب الثالث:
التأويل في حكم النصوص الموجبة
للحجاب الشرعي وحرمة الاختلاط و السفور
لن نتعرض في هذا المبحث لدعوات الحركات النسائية، ودعاة تحرير المرأة، وهي كثيرة متجددة كلما أفلت منها حجة برزوا بأخرى، فمن الدعوة إلى المساواة المطلقة بين الرجال والنساء في كل الحقوق والواجبات حتى فيما ورد به نص قطعي كالميراث، إلى الدعوة إلى إلغاء القوامة ومفهوم بيت الطاعة، ومفهوم النشوز، إلى دعوتهم إلى تقييد حق الرجل في الطلاق، وعدم إيقاعه واعتباره، إلا إذا وقع أمام القاضي، إلى دعوتهم إلى منح المرأة حق السفر بدون محرم، والعمل بدون إذن الزوج، إلى دعوتهم إلى منع تعدد الزوجات وتجريمه كالسفاح.. الخ الدعوات.
لن أتعرض لرد تلك الدعوات وتأويلهم النصوص لإسناد دعواتهم العلمانية، فذلك ما تكفلت به كتب مطولة أفردت لهذا الشأن (1) .
إنما المراد هنا الرد على تأويل من أنكر وجوب الحجاب الشرعي والزي الإسلامي الذي يعلمه جميع المسلمين خاصهم وعامهم، ودلت على وجوبه نصوص الكتاب والسنة، وأجمعت على وجوبه الأمة وعلماؤها من لدن الصدر الأول للإسلام إلى يومنا هذا، حتى غدا أمرا معلوما من الدين بالضرورة، يكفر جاحده ومنكره.
وهو وجوب ستر المرأة المسلمة البالغة لجميع بدنها ما عدا الوجه والكفين، وحرمة خلوها واختلاطها بالرجال الأجانب من غير محارمها المؤبدين إلا لحاجة معتبرة شرعا.
(1) وهي كثيرة من أفضلها (عودة الحجاب ) د. محمد بن إسماعيل المقدم، من ثلاثة أجزاء.