ليأتي العقل البشري الناضج، ويملأ هذا الفراغ التشريعي في كل ما يتعلق بشؤون الدنيا في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية… وهو كما ترى تطبيق لشعار العلمانية وجوهرها بحذافيره ... فصل الدين عن الحياة.. فالدين عقيدة في القلب بين العبد ونفسه، والعبادة علاقة بين العبد وربه، وهذا دور السنة وساحتها ليس إلا!!
وسعيا منهم لتحقيق هذا الهدف الرئيس ( عزل الشريعة، وتأصيل مفاهيم العلمانية وقيمها ) حاولوا إيجاد صيغ وقواعد جديدة لتفسير النصوص ( إيجاد أصول فقه جديد ) فحطموا في طريقهم إلى ذلك كل قواعد ومناهج الاستنباط الشرعي الصحيح التي أطبقت عليها الأمة في كل أجيالها، فألغوا الإجماع وجعلوه هو رأي الأكثرية والأغلبية بمن فيهم العوام، وهو محاولة تأصيل أخرى للديمقراطية الغربية، وجعلوا القياس فطريا لا ينضبط بشيء من القيود، وجعلوا المصلحة والمنفعة المقدرة بالعقل دليلا شرعيا برأسه، ولو عارضت القطعيات، وعللوا النصوص بدعاوى مجردة لا يعجز عنها أي مبطل، فعطلوا فاعليتها بالدليل العقلي الذي اختلقوه زاعمين أنهم لم يلغوا النص، ولم يعطلوه، وإنما توقف العمل به، لأن علته انتفت.
وحرفوا أقوال العلماء في تغير الفتاوى بتغير الأعراف والزمان والمكان والأحوال. فجعلوا تغير العرف علة بحد ذاتها تبطل النص وتعطله. وأخذوا مفاهيم العلمانية وشعاراتها، وجعلوها مقاصد شرعية وقواعد كلية تقدم بزعمهم على النصوص الجزئية من الكتاب والسنة كحرية الرأي والاعتقاد وحق المواطنة والمساواة المطلقة. ولا يحتاج هذا التحريف والتزوير والتكلف لعناء حتى ندرك الأغراض التي تدفع بهذا الاتجاه إنها الرغبة الجامحة في التخلص من كل حكم شرعي يناقض ما أشربته قلوبهم من دين الغرب وعقيدته الديمقراطية الفاسدة.