والشاهد في الحديث الرابع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر ولم يؤاخذ عمر بإغلاظه القول لحاطب بسبب مكاتبته قريشا ووصفه له بالخيانة بل عذره لأن ظاهر الحال كان يدل على ذلك (1) .
فإن التجسس على الجيش المسلم بما يؤدي إلى إفشال خطته بالكامل والإيقاع به لا يفعله عادة إلا منافق أو كافر خائن، فلذلك لم يوبخ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمر على قوله وهمه بقتله.
قال ابن حجر في بيان ضابط التأويل المردود الذي يعذر صاحبه ولا يذم"قال العلماء. كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم" (2) .
وهو ما نصت عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء بالمملكة العربية السعودية بقولها إن المخطئ المعذور من اخطأ في المسائل والنظرية الاجتهادية لا من أخطأ في ما ثبت بنص صريح ولا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة (6) .
وظاهر الحال والمقال الذي يعذر به المتأول يعرف بالقرائن وبالتبادر إلى الذهن- وقد بينا ذلك عند الكلام على"الظاهر"من الألفاظ الواضحة.
المتأول غير المعذور بخطئه:
وأما إن لم يكن للمتأول حجة ظاهرة على تأويله بأن أول القطعيات التي لا يعذر بجهلها أمثاله، فإنه يأثم وقد يكفر بتأويله حسب حاله. لأنه"لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة، ونحو ذلك فإنه يستتاب وإلا قتل كافرا مرتدا. خلافا للمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة (3) ."
(1) نفس المصدر 12/322.
(2) نفس المصدر 12/318.
(6) الدويّش: أحمد بن عبد الرزاق، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء 2/39.
(3) شرح العقيدة الطحاوية - بتحقيق الالباني - ص 316.