والإنسان يجب أن ينظر أولًا بعين الشرع، ولا ينظر أيضًا إلى الشرع بعين عوراء ينظر إلى النصوص من جهة دون الجهة الأخرى، بل يجب أن يجمع بين النصوص )) .
والسؤال الموجه للشيخ هنا: هل كلامك هنا يا فضيلة الشيخ بمثابة فتيا بمعنى أنه توقيع عن الله أم هو لغو وحديث مجالس؟ وإذا كان بمثابة فتيا فهل بني هذا الكلام على منهج شرعي أعمل فيه الفهم الصحيح للنصوص الشرعية الثابتة من الكتاب والسنة أم هو قول بالرأي والعقل والمصلحة دون اعتبار للنصوص الشرعية؟ فإن كان مبنيًا على نصوص شرعية فأين هذه النصوص التي لا تجيز توغير الصدور على الحاكم الكافر؟ بل أين هذه النصوص التي تجيز عدم توغير الصدور على الكفار حكامًا ومحكومين وبغضهم في الله؟ فإن كان الشيخ مع ذلك يدعي أن كلامه مبني على دليل شرعي فإننا نطالبه بدليل واحد من الكتاب والسنة يؤيد ما ذهب إليه، ثم نوجه سؤالًا آخر للشيخ هو: كيف يجد الشيخ لنفسه مساغًا أن يخالف إجماع المسلمين؟ فقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع على وجوب الخروج على الإمام الكافر، لاحظ ليس مجرد الجواز بل وجوب الخروج، والخروج يقصد به القتال وما شابهه وهو أمر أكبر بكثير من مجرد إيغار الصدور.
وسؤال آخر كذلك هل يعتبر محمد - صلى الله عليه وسلم - مخطئًا -حاشاه- حسب فتوى الشيخ لأنه جعل منابذة الحاكم الكافر مشروعة في أحاديث صحيحة؟ ومن المعلوم أن المنابذة أعظم بكثير من مجرد إيغار الصدور.
وأما إذا كان الشيخ أفتى بذلك بناء على الرأي والعقل والمصلحة، مع وجود الأدلة الشرعية التي تدل على خلاف ذلك وعن علم ومعرفة ومخالفة صريحة للنصوص لما في ذلك من مصلحة يراها، فهل يعني ذلك تخلي الشيخ عن منهج أهل السنة الذي لا يجيز مطلقًا تفضيل العقل على النقل؟ وهل انضم الشيخ إلى الفكر المعتزلي ومدرسة المصلحة التي سادت حديثًا في بعض بلاد المسلمين؟ ولماذا يجيز الشيخ لنفسه العمل بالمصلحة هنا ولا يجيز للدول التي ينتشر فيها البناء على القبور والبدع الصوفية ولا تتدخل في منعها خوفًا من فتنة اجتماعية؟ وقد صرح الشيخ في نفس الجواب بانتشار ذلك في بلاد أخرى، أفلا أعتبر السكوت عنه أكثر قبولًا من المصلحة التي ادعاها؟.
وأما في السؤال الآخر حول البيعة فقد قال الشيخ: (( لا شك أن هذا [1] خاطئ وإذا مات فإنه يموت ميتة جاهلية لأنه سيموت وليس في رقبته بيعة لأحد. والقواعد العامة في الشريعة الإسلامية أن الله يقول {اتقوا الله ما استطعتم} فإذا لم يوجد خليفة للمسلمين عمومًا فمن كان ولي أمر في منطقة فهو ولي أمرها. وإلا لو قلنا بهذا الرأي الضال لكان الناس الآن ليس لهم خليفة ولكان كل الناس يموتون ميتة جاهلية، ومن يقول بهذا؟ الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة تعلمون أن عبد الله بن الزبير في مكة، وبني أمية في الشام، وكذلك في اليمن أناس وفي مصر أناس، وما زال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هم فيه ويبايعونه ويدعونه بأمير المؤمنين ولا أحد ينكر ذلك فهذا شاق لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم ) ).
وهذا الكلام ينبني عليه عدة أسئلة، السؤال الأول: هل يعني كلام الشيخ أن كل الحكام الذين تحت سلطتهم مسلمون أمراء للمؤمنين تجب بيعتهم ومن لم يبايعهم مات ميتة جاهلية؟ وهل يعني هذا أن بيعة بينظير بوتو واجبة على المسلمين في باكستان وبيعة سوهارتو واجبة على المسلمين في أندونيسيا وبيعة القذافي واجبة على المسلمين في ليبيا وهل سيموت المسلمون في تلك البلاد ميتة جاهلية إذا لما يبايعوا؟ وماذا عن صدام حسين هل هو أمير للمؤمنين لأهل العراق وهل بيعته واجبة؟ وإذا كان أميرًا للمؤمنين لقومه فهل يعني ذلك أن دعم آل سعود للمعارضة العراقية وتوفير الدعاية والإعلام لهم وتزويدهم بالإذاعات والأموال والسلاح تحريشًا
(1) 63 / يقصد المواطن المسلم الذي ليس عنده بيعة لولي أمر بلاده.