الصفحة 18 من 93

إذًا، هذه أشياء ثابتة لا تتغير؛ أسماء الله وصفاته، وانتظار الآخرة، هذه أشياء لا تتغير، ليست مهددة بالزوال، تبني عليها محبتك لله وأنت واثق مطمئن.

أما ما يستجدّ لك في الحاضر والمستقبل من نعم جديدة ورفع بلاء؛ فهذه كلها تزيد محبتك لله -عز وجل- ولكنها ليست شرطًا في وجود هذه المحبة.

قد يقال: لكن الله -عز وجل- شرع تألف قلوب الناس بإعطائهم شيئًا من نعيم الدنيا، معلوم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعطي قسمًا كبيرًا من الغنائم للمؤلفة قلوبهم؛ لكفار يريد رسول الله أن يستميلهم للإسلام، بل إن مصرفًا من مصارف الزكاة هو (المؤلفة قلوبهم) ؟

صحيح، لكن هذا التألف لقلوب الناس بنعيم دنيوي هو مرحلي مؤقت؛ حتى ينهار الحاجز النفسي بين قلب الغافل والإسلام، حتى تُزال الغشاوة عن بصره ليرى حقيقة الدين فتخالط بشاشة الإيمان قلبه، فلا يعود يأبه -من ثَم- أعطي أو منع.

في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أنس -رضي الله عنه- قال: «وقد كان للرجل يجيء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يريد إلا الدنيا -يعني حبشرطي صرف- فما يمسي -من نفس اليوم- حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها» . إذًا؛ تحول حبه لله إلى حب حقيقي مبني على أسس سليمة.

أما أن يعيش الإنسان حياته كلها عِيشة المؤلفة قلوبهم فهذا وضع خطير غير مقبول، لأن محبته لله مهددة بالزوال في أية لحظة.

عندما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وارتد طوائف من الناس، ما الذي حصل؟

المؤلفة قلوبهم من أهل مكة الذين تألفهم رسول الله، لكنهم بعد ذلك بنَو محبتهم لله على أسس صحيحة، كانوا هم أسود الإسلام الذين نافحوا عنه أيام الردة، وبذلوا في ذلك أرواحهم ودماءهم وأموالهم. بينما ارتد من بقي"حبشرطيًا"متعلقًا بالدنيا عندما واجه فتنة وفاة النبي وتمرد الزعماء.

إن استقرار هذا المفهوم في نفوسنا"محبة الله غير المشروطة"؛ يمنحنا فهمًا أعمق لكثير من حقائق ديننا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت