الصفحة 22 من 93

إذا ابتُليت ووفقك الله تعالى للفهم فسترى مصداق قول معاوية -رضي الله عنه- الذي أخرجه البخاري:"لا حكيم إلا ذو تجربة".

سترى كيف أن من يعمل للإسلام تبقى في شخصيته حلقة مفقودة لا تكتمل إلا بالتضحية، عندما يقدم ثمن دعوته.

سترى كيف أن الله تعالى يفتح على الأسير في سبيله فتوحات ما كانت تخطر بباله خارج السجن. ستفهم حينئذ كل كلمة من الكلمات التالية العظيمة لسيد قطب رحمه الله، الذي حُبس وأعدم في سبيل الله.

(قال سيد رحمه الله:"فلا بد من تربية النفوس بالبلاء ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد وبالجوع ونقص الأموال والأنفس الثمرات. قال تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ( [17] ) ."

لابد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى. فالتكاليف هنا هي الثمن النفيس الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تَعز في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها.

كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها وصبرهم على بلائها.

ولا بد من البلاء كذلك ليَصْلُب عود أصحاب العقيدة ويقوى. فالشدائد تستجيش مكنون القوى، ومدخور الطاقة، وتفتح في القلوب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن إلا تحت مطارق الشدائد"."

إذًا هذه من حكم الله تعالى في ابتلاء الدعاة، صحيح أنهم لو بقوا خارج السجن لربما تمكنوا من مخالطة الناس وقراءة المراجع وبث المؤلفات أكثر، لكن الله تعالى يريد أن يخلص نياتهم ويبث الحياة في كلماتهم، فكما قيل:"فعل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل". إذا بقي الداعية ينظر ويتكلم ولم يضح؛ لن يكون لكلماته الأثر المرجو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت