-كانت بلاياهم شديدة أشد من بلائي بكثير، ولكن وجوههم مع ذلك كانت تشرق بالرضا والبشر والسكينة، وألسنتهم تلهج بحمد الله واستصغار صبرهم ما دام لوجه الله تعالى. بل إن أحدهم قال لي: (إني، وأنا أدعو الله بالفرج، أكاد أحيانًا أسأل الله ألا يستجيب دعائي، لما أتذكره من عظيم أجري حينئذ في الدار الآخرة إن أخر الله جزاء الدعاء إلى الآخرة) !
-كنت أذكر لهذا الأخ أني أحسن الظن بالله تعالى أنه سيجعل لي فرجا ومخرجًا قريبًا فكان يقول لي كلامًا عظيمًا، قال لي:"جميل أن تحسن الظن بالله أن يجعل لك فرجًا ومخرجًا، ولكني أريد لك أيضًا مستوى أرقى من ذلك: أريدك أن تستمتع بنعمة البلاء!"تستمتع بنعمة البلاء! لم أفهم كلمته هذه في حينها لكني بدأت أعيشها بعد فترة من استمرار تجربة الأسر.
-لقد رأيت في تجربتي طرفًا من حكمة الله في الابتلاء، بدا البلاء خفيفا في البداية وظننت أنه سيزول قريبًا، ظننت أني لن أبقى في الأسر إلا أياما قليلة، صبرني الله واشتد عودي فزاد البلاء وطال الأسر، وكلما اشتد كانت تنزل من الله سكينة تصبر. فالحمد لله الحكيم الرحيم، عرفت كيف يصبر أصحاب البلاءات الطويلة.
• الله سبحانه وتعالى الحكيم في ابتلاءه قادر سبحانه وتعالى على أن يصبر غيري في ابتلاءاتهم الأشد.
-هذه المذاقات العجيبة؛ مذاقات الإنس بالله، والرضا بقضاءه، وتعلق القلب به، إن لم تذقها فلك أن ترى آثارها: سحرة فرعون السبعون (ذكر هذا العدد ابن أبي حاتم عن ابن عباس) ما كان لهم هم إلا {أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} ، يعني هم يريدون أن يمارسوا الشعوذة والدجل والكذب على الناس، ويريدون مقابل ذلك أجرًا من فرعون، كل طموحهم أرضي طيني دنيوي، {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} .
ولكن ما هي إلا لحظات من الهدى واليقين والصبر والسكينة جعلتهم جبالًا رواسي أمام التهديد بالتقطيع والتصليب، يقول لهم فرعون: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} ، ومع ذلك ماذا ردوا عليه؟ هؤلاء الذين كانوا بالأمس بل حتى لحظات قريبة كانوا سحرة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، طموحهم دنيوي بحث، يقولون لفرعون: قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا