فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 121

لم أخبره بما قال الصديق الكريم لئلا أُحْرِجه. بل سألته عن المقال ونيته فيه. فقال: ولماذا تهتم به وتريد نشره؟ وفهمت منه أنه لا يريد نشره. فأفهمته وجهة نظري: أني أرمي بذلك إلى تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية من شبهة تظهر من كلامه (أعني كلام الشيخ حامد) . فقال لي -وهو يحاورني:"ابن تيمية بتاعي قبلك"! فأجبتُه بأن ابن تيمية ليس خاصًا بي ولا بك، بل هو لجميع المسلمين. وتحاورنا قليلًا نحو هذا المعنى، ثم سكتُّ -كعادتي معه- إذ لم أجد فائدة من الكلام واستيقنت حينئذ أنه سيطوى المقال، وأنه غير ناشره. فلم أحرِّك ساكنًا بعد ذلك، حتى أرى عاقبة أمره.

ولم أعجب من إنكاره للصديق الكريم وصول مقالي إليه -صدر النهار، واعترافه لي ضمن كلامه- مساء اليوم نفسه! فإن الحقائق عند الصديق القديم تتغيّر بتغيُّر المتحدث إليه. وأنا أعرف صديقي.

وكان من المصادفات التي لم يكن لي يد فيها: أن وصل إليّ يوم الأربعاء 11 رمضان سنة 1374 كتاب طبع حديثًا، فيه أربع رسائل، ثلاث منها تأليف عالم فاضل من إخواننا علماء الحجاز السلفيين، هو (الشيخ محمد سلطان المعصومي الخجندي) ، حفظه الله. والرابعة من تأليف (الشيخ محمود شويل) رحمه الله. كلها في الرد على الشيخ حامد الفقي.

وهي: (تنبيه النبلاء من العلماء. إلى قول حامد الفقي: إن الملائكة غير عقلاء) . و (القول الفصل، في حقيقة سجود الملائكة واتصافهم بالعقل) ، وهذه للشيخ محمود شويل. و (الرد الوفي، على تعليقات حامد الفقي) . و (نغمة جديدة من رئيس أنصار السنة المحمدية) .

فحين جاءني هذا الكتاب وقرأته تأكد مصير مقالي عنده. فإن الصديق القديم يعيد النظر في مثل هذه الشؤون، لا يأمن لأحد من إخوانه، ولا يثق بصدق أحد ولا بصداقته. يغلبه سوء الظن بالناس، حتى بأقرب الناس إليه. ففهمت أنه سيربط بين مقالي وبين هذا الكتاب برباط وثيق، ويعتبرهما جزءًا من مؤامرة ينسج شباكها (المعوِّقون الذين يلقون في طريقه الغبار والأشواك) -كما يقول. وعلمت أني مهما أفعل لأنفي العلاقة بين مقالي وبين الكتاب -ومع معرفته بخُلُقي، ويقينه من نفوري من المؤامرات والدسائس- فما ذلك بنافعي عنده، ولا بمبرئي من سوء ظنه. وأنا أعرف صديقي.

فلم أقل شيئًا، ولم أحرك ساكنًا، حتى أستبين عاقبة أمره.

ثم جاءني بالبريد، العدد التالي من مجلة (الهدى النبوي) -عدد رمضان وشوال سنة 1374 - فتحقق ما استيقنت من قبل: طوى مقالي فلم ينشره، ولم يؤد الأمانة التي اؤتمن عليها. ووجدت بدلًا منها مقالًا بقلمه، يبرأ فيه من رمى شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب، حسنًا فعل. وليته اكتفى بهذا فستر نفسه! ولكنه ذهب يتأول كلامه لينفي عن نفسه التهمة، بطريقة عجيبة، تثبت عليه الذي يتبرأ منه، والذي كنا نحسن الظن به فنفهم أنه لم يقصد إليه، وأنه إنما أفلت منه عن تعجّل كعادته. ثم ملأ مقاله بمدح نفسه، بما الله أعلم بحقيقته منه. وختَمه بالغمز واللمز كعهدنا به، ولم يذكر اسمي في مقاله، ترفُّعا منه واستكبارًا ..

فرأيت أن أضع الحق موضعه، وأن أؤدي الأمانة التي اؤتمنت عليها. ولم أجد من اللائق بي وبه، أن ألجأ إلى صحيفة أخرى غير مجلته. ووجدت أن خير ما أعمل، أن أنشر على الناس هذا الكتاب، أُثبت فيه مقالي كاملًا، ومقاله كله، غير مُخْف منهما حرفًا واحدًا. ثم أعقب على مقاله فيما يتصل بالمعنى العلمي، معرضًا عن اللغو، وعما اجترأ عليه من الغمز واللمز. فما كان ذلك لينصر رأيًا، أو يقيم حجة على أحد. وما كان ذلك من شأن أهل العلم.

وسيقرأ كتابي هذا إخواننا السلفيون، أنصار السنة، وغيرهم من أهل العلم، في مصر وفي غير مصر -إن شاء الله- وسيكون رأيهم الفيصل، وقولهم الحكم، فيما بيني وبينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت