قال الإمام أحمد بن حنبل في مسند عبد الله بن عمر:
حدثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره، إلا أن يُؤمر بمعصية فإن أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
إسناده صحيح. ورواه البخاري (82:6 و109:13 من فتح الباري) عن مسدد عن يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد، ورواه أيضًا (82:6) من طريق إسماعيل بن زكريا عن عبيد الله. ورواه مسلم (86:6) من طريق الليث بن سعد. ومن طريق يحيى القطان وابن نمير، ثلاثتهم عن عبيد الله.
وهذا الحديث أصل جليل خطير من أصول الحكم، لا نعلم أنه جاء في شريعة من الشرائع، ولا في قانون من القوانين، على هذا الوضع السليم الدقيق المحدّد، الذي يحدّد سلطة الحاكم، ويحفظ على المحكوم دينه وعزته.
فقد اعتاد الملوك والأمراء، واعتادت الحكومات في البلاد التي فيها حكومات منظمة وقوانين، أن يأمروا بأعمال يرى المكلف بها أن لا مندوحة له عن أداء ما أُمر به.
وصارت الرعية، في هؤلاء وهؤلاء، لا يطيعون فيما أمروا به إلا أن يوافق هوى لهم أو رغبة عندهم، وإلا اجتهدوا أن يقصروا في أداء ما أمروا به، ما وجدوا للتقصير سبيلًا، لا يلاحقهم فيه عقاب أو خوف.
وكل هذا باطل وفساد، تختل به أداة الحكم، وتضطرب معه الأنظمة والأوضاع. إذ لا يرون أن الطاعة واجبة عليهم، وإذ يطيعون -في بعض ما يطيعون- شبه مرغمين إذا لم يوافق هواهم ولم يكن مما يحبون.
أما الشرع الإسلامي: فقد وضع الأساس السليم، والتشريع المحكم، بهذا الحديث العظيم. فعلى المرء المسلم أن يطيع من له عليه حق الأمر من المسلمين، فيما أحب وفيما كره، وهذا واجب عليه، يأثم بتركه، سواء أعرف الآمر أنه قصّر أم لم يعرف، فإنه ترك واجبًا أوجبه الله عليه، وصار دينًا، من دينه، إذا قصّر فيه كان كما لو قصّر في الصلاة أو الزكاة أو نحوهما من واجبات الدين التي أوجب الله.
ثم قيد هذا الواجب بقيد صحيح دقيق، يجعل للمكلف الحق في تقدير ما كلف به، فإن أمره من له الأمر عليه بمعصية، فلا سمع ولا طاعة. ولا يجوز له أن يعصي الله بطاعة المخلوق، فإن فعل كان عليه الإثم، كما كان على من أمره، لا يعذر عند الله بأنه أتى هذه المعصية بأمر غيره، فإنه مكلف مسؤول عن عمله، شأنه شأن آمره سواء.
ومن المفهوم بداهة: أن المعصية التي يجب على المأمور أن لا يطيع فيها الآمر، هي المعصية الصريحة التي لا يتأول فيها المأمور ويتحايل، حتى يوهم نفسه أنه امتنع لأنه أُمر بمعصية، مغالطة لنفسه ولغيره.
ونرى أن نضرب لذلك بعض المثل، مما يعرف الناس في زماننا هذا، إيضاحًا وتثبيتًا:
1 -موظف أمره من له عليه حق الأمر أن ينتقل من بلد يحبه إلى بلد يكرهه، أو من عمل يرى أنه أهل له، إلى عمل أقل منه، أو أشد مشقة عليه، فهذا يجب أن يطيع من له عليه حق الأمر، لا مندوحة له من ذلك، أحب أو كره، فإن أبى من طاعة الأمر كان آثمًا، وكان إباؤه حرامًا، سواء أبى إباء صريحًا واضحًا، أم أبى إباء ملتويًا مستورًا، يتمحل الأسباب والمعاذير.
ولقد يرى المأمور أنه بما أُمر به مغبون، أو مظلوم مهضوم الحق، وقد يكون ذلك صحيحًا، ولكنه يجب عليه أن يطيع في كل حال، فإن الظلم في مثل هذه الأمور أمر تقديري، تختلف فيه الأنظار والآراء، والمأمور في هذه الحال ينظر لنفسه، ويحكم لنفسه، فمن النادر أن يكون تقديره للظلم الذي ظن أنه لحقه تقديرًا صحيحًا، لما يشبه أن يكون من غلبة الهوى عليه، ولعل آمره أقدر على الإحاطة بالمسألة من وجوهها المختلفة، ولعل تقديره إذ ذاك أقرب إلى الصواب، إذا لم يكن فعل ما فعل عن هوى واضح وتعنت مقصود.