فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 121

وددت لو استطعت وصف ما صنع الأستاذ سليم بك حسن بغير هذا العنوان القاسي. ولكن ما صنع كان أشد تهافتًا وأسوأ وقعًا مما يدل عليه العنوان:

فإنه أخرج في هذا العام الجزء السابع من كتابه (مصر القديمة) ، ولست الآن بصدد نقد كتابه هذا، وكشف ما ينطوي عليه من الإشادة بوثنية قدماء المصريين، ومن تقديس الأحجار والأوثان، ولو بالقول دون العقيدة، بل من وصف أحد الفراعين الوثنيين بصفة النبوة (ص590 من هذا الجزء) . ولكنه عرض في هذا الجزء (قصة خروج بني إسرائيل من مصر) عرضًا جريئًا، فوق حدود العجب، وفوق حدود الجرأة (ص106 - 138) . كذّب فيه التوراة تكذيبًا صريحًا تارة، وتكذيبًا ملتويًا تارة، وكذب فيه القرآن تكذيب (العلماء الأفذاذ في هذا العصر!) ، الذين يتأولون القرآن تأولًا لا يمت إلى لفظه ولا إلى معناه بسبب، يخرج به على كل دلالة، وعلى كل عقل، إلا عقولهم الجبارة المتوفزة للهدم! وكان في عمله هذا مقلدًا، لم يتقن الصنعة كما أتقنوا. وكذّبه تكذيبًا آخر غير مباشر، بتقرير (حقائق!) تُنافي ما أثبت القرآن وتناقضه، يقررها بعظمة العالم المتثبت! الذي لا يثبت صحة خبر في القرآن إلا أن تؤيده الأحجار (المقدسة) التي كتبها وثنيون مجهولون، من عباد الفراعين، وعباد العجول، وعباد الأوثان.

ومن قرأ هذا الفصل الذي كتبه هذا (العالم المتثبت) عن قصة بني إسرائيل وخروجهم من مصر (ص106 - 138) لا يخالجه شك في أن الأستاذ رضى على مضض أن يسلم بوجود شيء قي مصر في عهد الفراعين اسمه"بنو إسرائيل"، وبخروجهم من مصر بقيادة رجل منهم اسمه"موسى"، وأن ما عدا ذلك من التفاصيل إن هو إلا أساطير وأكاذيب إلى أن تظهر أدلة أخرى تثبت شيئًا منها.

إن شئتم فاقرؤوا قوله (ص114) :

"ولكن ليس لدينا أي أثر يبرهن على وجود احتلال جدي لأي صقع مصري تكون من نتائجه حدوث مأساة كالتي مثلت في كتاب الخروج، وإلى أن يظهر في الأفق براهين تختلف في شكلها عن التي في متناولنا الآن، فإني أومن بأن تفاصيل القصة يجب أن تُعد أسطورة، مثلها كمثل قصة بدء الخليقة المذكورة في سفر التكوين. وعلينا أن نسعى في تفسير هذه التفاسير [كذا، وصحتها التفاصيل] على فرض أنها أسطورة"!!

وما أظن أحدًا يشك بعد هذا في أن الأستاذ المؤلف ينكر كل التفاصيل التي في قصة خروج بني إسرائيل. والبقية تأتي!!

إن المؤلف -فيما أرى- يستغل الروح الوطني القومي الذي تغلغل في مصر للإشادة بقدماء المصريين وفراعينهم وأوثانهم، على النحو الذي نراه في الصحف والمجلات والمؤلفات، تقليدًا لأوربة من جهة، ونتيجة لما رسمت أوربة ومبشروها ومستعمروها من محاولة هدم الإسلام في بلاده، بتربية الأمة تربية تستبطن الإلحاد مع مظهر التدين، أو تعلن الإلحاد ما وجدت الفرصة لذلك.

وأكبر ظني أن المؤلف لم يقرأ قصة بني إسرائيل في القرآن قط، أو هو على الأقل لم يتأملها تأمل المؤمن المستيقن بصدق هذا القرآن، وبأنه وحي من الله لرسوله لفظأ ومعنى، وبأنه أصدق مصدر تاريخي، لأنه ليس من علم البشر، بل هو من قول خالق الكون، الذي يعلم ما تقدم وما تأخر، وبأنه الكتاب المهيمن على ما سبقه من كتب الأنبياء، وبأنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله أن يعقد مقارنة بينه وبين الكتب السابقة، فضلًا عن أن يعقد مقارنة بينه وبين نقوش على أحجار، أو كتابة في أوراق، كتبها وثنيون مجهولون، مداحون متملقون، يمدحون ملوكهم بالحق تارة، وبالباطل تارات. إلى أن هذه النقوش والكتابات لم يتبين إلى الآن معناها على سبيل القطع واليقين، بل هو الظن والاجتهاد، مما بلغت إليه أسباب دارسيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت