فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 121

لا يزال كثير من الناس يذكرون ذلك الجدال الغريب الذي ثار في الصحف، بشأن الخلاف في جواز ولاية المرأة القضاء!!

والذي أثار هذا الجدال هو وزارة العدل، إذ تقدم إليها بعض (البنات) اللائي أعطين شهادة الحقوق، ورأين أنهن بذلك صرن أهلا لأن يكنّ في مناصب النيابة، تمهيدًا لوصولهن إلى ولاية القضاء! فرأت الوزارة أن لا تستبد بالفصل في هذه الطلبات وحدها، دون أن تستفتي العلماء الرسميين.

وذهب العلماء الرسميون يتبارون في الإفتاء، ويحكون في ذلك أقوال الفقهاء. فمن ذاكرٍ مذهب أبي حنيفة في إجازة ولايتها القضاء في الأموال فقط، ومن ذاكرٍ المذهب المنسوب لابن جرير الطبري، في إجازة ولايتها القضاء بإطلاق، ومن ذاكرٍ المذهب الحق الذي لا يجيز ولايتها القضاء قط، وأن قضاءها باطل مطلقًا، في الأموال وغير الأموال.

ومن أعجب المضحكات في هذا الجدال الغريب: أن تقوم امرأة فتكتب ردًا على من استدل من العلماء بالحديث الصحيح الثابت:"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة [1] "، فتكون طريفة كل الطرافة، وتدل على أنها تكتب بعقل المرأة حقًا، فتستدل على بطلان هذا الحديث، بأنه لا يعقل أن يقوله رسول الله الذي يقول:"خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء"!! وهي لا تعرف هذا الحديث ولا ذاك الحديث، ولا تعرف أين يوجدان أو يوجد أحدهما، من كتب السنة أو كتب الشريعة أو غيرها، لأن كتابتها تدل على أنها مثقفة ثقافة إفرنجية خالصة! ليس لها من الثقافة العربية أو الإسلامية نصيب!.

ووجه العجب المضحك في استدلالها هذا الطريف: أن الحديث الذي استدلت به حديث لا أصل له أبدًا، أي هو حديث مكذوب لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولست أزعم أنها هي التي اخترعته، فإني لا أظنها تصل إلى هذه الدرجة. ولكنه حديث ذُكر في بعض المصنفات القديمة، ونص حفاظ الحديث ونقدته العارفون العالمون على أنه حديث منكر، لم يجد له العلماء الحفاظ إسنادًا قط، بل قال ابن القيم الإمام:"كل حديث فيه يا حميراء، أو ذكر الحميراء، فهو كذب مختلق".

فاعجبوا -في بلد العجائب- أن تقوم امرأة لا تعرف من الشريعة شيئًا، إلا أن يكون ما يعرفه العوام، على شك في هذا أيضًا-: فترد على العلماء الرسميين، وتجزم بتكذيب حديث صحيح ثابت، استنادًا إلى حديث مختلق مكذوب!! وليتها -مع هذا كله- تعرف الفرق بين الشهادة والرواية عند علماء الأصول، وبين الولاية والشهادة، حتى تستطيع أن تحكم هذا الحكم الطريف. ولو عرفت لعلمت أن الشريعة فرقت بين رواية المرأة العلم، إذا كانت مسلمة عارفة بدينها متمسكة به محافظة عليه، مستوفية شروط العدالة الشرعية، وأنها في هذه الحال تقبل روايتها العلم، وتُصدّق فيما روت. وأنها إذا استوفت هذه الشروط كلها كانت شهادتها في الأموال مقبولة، على أن تكون نصف شهادة فقط، أي تقبل شهادتها مع امرأة أخرى مثلها، وتكونان معًا في مقام شاهد واحد من الرجال، بشرط أن يكمّل نصاب الشهادة بشهادة رجل آخر، بنص القرآن الكريم: (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ احْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) [2] .

إنها لو علمت ذلك لفهمت أن الحديث المكذوب الذي تستدل به لو كان صحيحًا لما كان منافيًا للحديث الصحيح في منع ولاية المرأة، كما هو بديهي!

ثم ندع هذا الاستطراد، ونعود إلى أصل الموضوع:

(1) رواه البخاري في الصحيح (97:8و46:13من فتح الباري) ورواه أيضًا الترمذي والنسائي.

(2) الآية 282 من سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت