فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 121

هذا موضوع أراني مضطرًا أن أُعالجه برفق، وإن كان هو في ذاته مما ينبغي أن لا يعالج إلا بعنف وحزم، ولكني أخاف على مزاج سادتنا العظماء، الذين لا يكبرون أحدًا كما يكبرون السادة (الخواجات) .

فقد حدثني أخ صادق أثق به كل الثقة، وهو مدرس بإحدى المدارس الإفرنجية، في مصر لا في أوربة: بأنه حاول ما استطاع، مع إدارة المدرسة التي هو فيها، أن يجعل وقت صلاة الجمعة من يوم الجمعة من كل أسبوع، وقتًا يخلو فيه من درس، ليفرغ لصلاة الجمعة، فما استطاع ذلك قط، وليس ذلك شأنه وحده في تلك المدرسة، بل هو شأن إخوانه من مدرسي اللغة العربية بها، وأخبرني أن إدارة المدرسة ركبت في ذلك رأسها وأبت إلا ما تريد، وأن الرئيس الأعلى فيها صرح بأنه يظهر أنه لا يستطيع التوفيق بين نظام الدراسة في المدرسة وبين صلاة الجمعة.

ولا أحب أن أصف اللهجة التي حُكيت لي عن هذا الرئيس حين قال هذه القولة النابية المستنكرة.

ولست أرمي بما أكتب إلى استعداء سلطان الدولة على مثل هذا الرجل، فتحقق هذه الواقعة، حتى إذا ما ثبتت أخرجته من بلد يجرؤ أن يقول فيه مثل هذا القول، ولا أرمي إلى وجوب إلزام هذه المدارس الإفرنجية أن تجعل عطلتها الأسبوعية يوم الجمعة، وهو يوم العطلة الرسمي في الدولة، وهو يوم الراحة العامة عند المسلمين، وأكثر الطلاب في هذه المدارس من المسلمين فيما أظن.

لا أرمي إلى شيء من هذا، فإني أعرف أنه غير مستطاع، بل لعل إخراجي أنا من بلادي أقرب وأيسر من إخراج أمثال هؤلاء.

ولكني أريد أن أنصح هؤلاء الآباء المسلمين، المستذلين المستضعفين، المتكبرين المتجبرين، الذين يأنفون أن يتعلم أبناؤهم مع أبناء الناس، الذين يقذفون بفلذات أكبادهم بين أيدي أعداء دينهم المتعصبين أتباع المبشرين، بما وصلت إليه أيديهم من أموال، من حرام أو حلال، ملأت أُهُبَهُمْ عقولا عجيبة، حتى المساكين منهم الجهلاء، الذين جاءتهم الأموال عفوًا، وهم لا يفرقون بين هذا التعليم وذاك التعليم.

فلا تكون الأسرة في نظر هؤلاء وأولئك أسرة راقية إلا إذا قذفت بأبنائها وبناتها إلى تلك البؤر التي تخرج منهم شبابًا راقين (خواجات) ، يحتقرون أول ما يحتقرون دينهم وقومهم وأهليهم، فإن ظننتم غير ذلك كنتم أغرارًا مخدوعين، أو شياطين مخادعين.

واعلموا -أيها المسلمون- أن الله لن يقبل منكم معذرة يوم القيامة عما تجرمون في شأن أبنائكم، و"الرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم"و"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه"كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .

وأظنكم تفهمون بعد هذا أن من أصر على ذلك منكم انسلخ من دينه، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.

وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فاتقوا الله واحفظوا على أبنائكم دينهم وخلقهم، والله يهدينا وإياكم.

(1) حديثان صحيحان، الأول رواه البخاري ومسلم وأحمد في المسند 4495، وغيرهم من حديث ابن عمر، والثاني رواه البخاري ومسلم وأحمد في المسند 7181 وغيرهم من حديث أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت