فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 121

هي كلمة حكيمة، وحكمة نادرة، قالها الحافظ بن حجر العسقلاني، في (فتح الباري شرح صحيح البخاري ج3 ص466) .

والحافظ ابن حجر هو إمام أهل العلم بالحديث، وخاتمة الحفاظ، بل هو المحدث الحقيقي الأوحد منذ القرن الثامن الهجري إلى الآن. وقد قال هذه الحكمة الصادقة في شأن رجل عالم كبير، من طبقة شيوخه، وهو (محمد بن يوسف الكرماني) شارح البخاري، إذ تعرض في شرحه لمسألة من دقائق فن الحديث لم يكن من أهلها، على علمه وفضله، فتعرض لما لم يتيقن معرفته. والكرماني هو الكرماني، وابن حجر هو ابن حجر.

لقد وردت هذه الحكمة البليغة على خاطري حين قرأت حكمًا نشرته مجلة (السوادي) في عدد يوم الإثنين 18 جمادى الآخر سنة 1370 (26 مارس سنة 1951) . ووجدتها تنطبق على هذا الحكم تمام الانطباق، وكأنها وضعت له، أو قيلت بادئ ذي بدء في شأنه.

وقبل أن أتحدث عن هذا الحكم، وما فيه من مآخذ، أثبت هنا نص ملخصه الذي جاء في مجلة السوادي، وهو:

المحكمة تقول:

لا عقاب على زوجة صغيرة تضبط في أحضان عشيقها. والنيابة حيرى والزوج يستأنف.

جاء الحكم في هذه القضية مفاجأة لم ينج من تأثيرها كل من طرفي الخصومة. فعرا الزوج ذهول أفاق منه حزينًا مغيظًا، وعرا الزوجة وشريكها في الخيانة نفس الذهول، وإن أفاقا منه ليقفزا طربًا بالنجاة.

والحق أن وقائع القضية كانت واضحة، والأدلة على الإدانة كانت دامغة، وكان قد استحال على الجناة أن يفكروا في البراءة. ذلك لأن الزوجة ضبطت وهي في فراش الزوجية بين أحضان شاب يقيم في الطابق الأرضي للمنزل. ولم يكن الزوج موجودًا وقت ضبط الحادث، ولكن السكان تكلفوا بضبط الفاجرين، وقاموا بجرهما في عنف إلى قسم الدرب الأحمر، حتى حضر الزوج، وطالب باتخاذ إجراءات دعوى الخيانة الزوجية.

ولما أُحيلت الزوجة مع شريكها إلى الطبيب الشرعي قرر أنهما لا يزالان مدنسين بآثار الجريمة.

وهكذا وقف الاثنان في قفص الاتهام، يواجهان أدلة لا تقبل دفعًا وتكبلهما حالة تلبس.

ولكن يبدو أن الدفاع عنهما كان يدرك تمامًا ثقل الأدلة فلم يتعرض لها بنفي، أو حتى بمجرد تشكيك. وإنما خمن ثم خمن وأعد مفاجأته الكبرى، وطلع على المحكمة بسؤال تناهى في البساطة:"ما هو عمر الزوجة؟!".

ولم ينتظر الإجابة، بل تولاها هو بنفسه، فأخرج من حافظته شهادة ميلاد رسمية تسجل أن عمرها خمسة عشر عاما وبضعة أيام، وأنها تزوجت تاجر الخردوات المدعى بالحق المدني وهي لا تتجاوز سن الرابعة عشرة! ولا محل لذكر الطرق التي يتبعها الناس عندما يريدون تزويج صغيرة وينكرون أن لها شهادة ميلاد.

وخرج المحامي من ذلك بمفاجأة كبرى، هي أن المتهمة ليست زوجة المدعي! لأنها لم تبلغ السن القانونية للزواج، فدعوى الزوجية لا تسمع قانونًا، وعلى هذا فهي حرة أصلًا، ولا عقاب عليها إن أحبت فلانًا أو وجدت في أحضان فلان، ما دامت الزوجية قد انعدمت، لأن ادعاءها لا يسمع.

وقد أخذت المحكمة بهذا الدفع القانوني، وقضت بالبراءة!.

وبدأت النيابة الحيرى تبحث من جديد في قضية جديدة عن المسئول عن زواج ابنة في الرابعة عشرة. بينما استأنف الزوج الحكم.

وإذا ما تحدثت هنا عن هذا الحكم، بنقد قضائي علمي، فإنما أتحدث على افتراض صحة الوقائع التي نقلتها مجلة السوادي، وعلى افتراض الأمانة والدقة في النقل فيها. فإن يكن خطأ في صحة الوقائع، أو في تصويرها، يكن من تلك المجلة، لا مني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت