فتوى شيخ الإسلام محيي مذهب السلف، المجدّد الكبير
الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
صححت على ثلاث نسخ معتمدة
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه كلمات جواب عن الشبهة التي احتج بها من أجاز وقف الجنف والإثم.
ونحن نذكر قبل ذلك صورة المسألة، ثم نتكلم على الأدلة:
وذلك أن السلف اختلفوا في الوقف الذي يُراد به وجه الله على غير من يرثه، مثل الوقف على الأيتام وصُوّام رمضان، أو المساكين أو أبناء السبيل.
فقال شرَيْح القاضي وأهل الكوفة: لا يصح ذلك الوقف. حكاه عنهم الإمام أحمد.
وقال جمهور أهل العلم: هذا وقف صحيح. واحتجوا بحجج صحيحة صريحة، ترد قول أهل الكوفة.
فهذه الحجج التي ذكرها أهل العلم يحتجون بها على علماء أهل الكوفة، مثل قوله"صدقة جارية". ومثل وقف عمر، وأوقاف أهل المقدرة من الصحابة: على جهات البرّ التي أمر الله بها ورسوله، ليس فيها تغيير لحدود الله.
وأما مسألتنا فهي: إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفرّ من قسمة الله، وتمرد عن دين الله. مثل أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النَّخْل، ولا تأكل منه إلا حياة عينها، أو يريد أن يزيد بعض أولاده على بعض، فرارًا من وصية الله بالعدل، أو يريد أن يحرم نسل البنات، أو يريد أن يحرم على ورثته بيع هذا العقار، لئلا يفتقروا بعده، ويُفْتي له بعض المفتين أن هذه البدعة الملعونة صدقة بر تقرب إلى الله، ويوقف على هذا الوجه قاصدًا وجه الله! فهذه مسألتنا.
فتأمل هذا بشراشر قلبك [1] ، ثم تأمل ما نذكره من الأدلة.
فنقول:
من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر تغيير شرع الله ودينه، والتحيل على ذلك بالتقرب إليه، وذلك مثل أوقافنا هذه، إذا أراد أن يحرم من أعطاه الله، من امرأة، أو امرأة ابن، أو نسل بنات، أو غير ذلك، أو يعطى من حرمه الله، أو يزيد أحدًا عن ما فرض الله، أو ينقصه من ذلك، ويريد التقرب إلى الله بذلك، مع كونه مبعَدًا عن الله.
فالأدلة على بطلان هذا الوقف، وعوده طِلْقًا [2] ، وقسمه على قسم الله ورسوله -أكثر من أن تحصر.
ولكن من أوضحها دليل واحد: وهو أن يقال لمدعي الصحة: إذا كنت تدعي أن هذا مما يحب الله ورسوله، وفعله أفضل من تركه، وهو داخل فيما حض عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة الجارية وغير ذلك، فمعلوم أن الإنسان مجبول على حبه لولده، وإيثاره على غيره، حتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) [3] . فإذا شرع الله لهم أن يُوقفوا أموالهم على أولادهم، ويزيدوا من شاؤوا، أو يحرموا النساء والعصبة ونسل البنات، فلأي شيء لم يفعل ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولأي شيء لم يفعله التابعون؟ ولأي شيء لم يفعله الأئمة الأربعة وغيرهم؟ أتراهم رغبوا عن الأعمال الصالحة، ولم يحبوا أولادهم، وآثروا البعيد عليهم وعلى العمل الصالح؟! ورغب في ذلك أهل القرن الثاني عشر؟! أم تراهم خفي عليهم حكم هذه المسألة، ولم يعلموها، حتى ظهر هؤلاء فعلموها؟! سبحان الله، ما أعظم شأنه، وأعز سلطانه.
فإن ادعى أحد أن الصحابة فعلوا هذا الوقف، فهذا عين الكذب والبهتان.
والدليل على هذا: أن هذا الذي تتبّع الكتب، وحرص على الأدلة، لم يجد إلا ما ذكره. ونحن نتكلم على ما ذكره:
(1) شراشر القلب، بفتح الشين الأولى وكسر الثانية المعجمتين: يريد بها دخائله.
(2) الطلق، بكسر الطاء المهملة وسكون اللام: الحلال، يريد أنه عاد ملكًا حلالا خالصًا.
(3) الآية 15 من سورة التغابن.