فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 121

فأما حديث أبي هريرة الذي فيه"صدقة جارية [1] "، فهذا حق. وأهل العلم استدلوا به على من أنكر الوقف على اليتيم وابن السبيل والمساجد. ونحن أنكرنا على من غيّر حدود الله، وتقرّب بما لم يشرعه. ولو فهم الصحابة وأهل العلم هذا الوقف من هذا الحديث لبادروا إليه.

وأما حديث عمر: أنه تصدق بالأرض على الفقراء والرقاب والضيف وذي القربى وأبناء السبيل، فهذا بعينه من أبين الأدلة على مسألتنا.

وذلك: أن من احتج على الوقف على الأولاد، ليس له حجة إلا هذا الحديث، لأن عمر قال: لا جناح على من وَلِيَه أن يأكل بالمعروف، وأن حفصة وليته، ثم وليه عبد الله بن عمر. فاحتجوا بأكل حفصة وأخيها دون بقية الورثة. وهذه الحجة من أبطل الحجج.

وقد بينه الشيخ الموفق رحمه الله والشارح، وذكرا أن أكل الولي ليس زيادة على غيره، وإنما ذلك أجرة عمله، كما كان في زماننا هذا، يقول صاحب الضحية: لوليّها الجلد والأكارع.

ففي هذا دليل من جهتين:

الأول: أن من وقف من الصحابة، مثل عمر وغيره، لم يوقفوا على ورثتهم، ولو كان خيرًا لبادروا إليه. وهذا المصحح لم يصحح بقوله"ثم أدناك أدناك". فإذا كان وقف عمر على أولاده أفضل من الفقراء وأبناء السبيل، فما باله لم يُوقف عليهم؟ أتظنه اختار المفضول وترك الفاضل؟! أم تظن أنه هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره لم يفهما حكم الله؟!.

الثاني: أن من احتج على صحة الوقف على الأولاد وتفضيل البعض، لم يحتج إلا بقوله"تليه حفصة ثم ذو الرأي"، وأنه"يأكل بالمعروف". وقد بينا معنى ذلك، وأنه لم يبرّ أحدًا، وإنما جعل ذلك لولي عن تعبه في ذلك.

فإذا كان المستدل لم يجد على الصحة إلا هذا، تبين لك أن قولهم"تصدق أبو بكر بداره على ولده"، وتصدق فلان وفلان، وأن الزبير خصّ بعض بناته، ليس معناه كما فهموا، وإنما معناه: أنهم تصدقوا بما ذُكر صدقة عامة على المحتاجين، فكان أولاده إذا قدموا البلد نزلوا تلك الدار، لأنهم من أبناء السبيل، كما يوقف الإنسان مِسْقاة ويتوضأ منها، وينتفع بها هو وأولاده مع الناس، وكما يوقف مسجدًا ويصلي فيه.

وعبارة البخاري في صحيحه [2] :"وتصدق أنس بدار، فكان إذا قدم نزلها. وتصدق الزبير بدوره. واشترط للمردودة من بناته أن تسكن". فتأمل عبارة البخاري، يتبين لك أن ما ذكر عن الصحابة مثل من وقف نخلًا على المفطرين من الفقراء في هذا المسجد، ويقول: إن افتقر أحد من ذريتي فليفطر معهم. فأين هذا من وقف الجنف والإثم؟!

على أن هذه العبارة كلام الحميدي، والحميدي في زمن القاضي أبي يعلى. وأجمع أهل العلم على أن مراسيل المتأخرين لا يجوز الاحتجاج بها، فمن احتج بها فقد خالف الإجماع. هذا لو فرصنا أنه يدل على ذلك، فكيف وقد بينا معناه!! ولله الحمد.

إذا تبين لك أن من أجاز الوقف على الأولاد والتفضيل لم يجد إلا حديث عمر، وقوله:"ليس على من وليه جناح"، وأن الموفق وغيره ردوا على من احتج به، تبين لك أن حديث عمر من أبين الأدلة على بطلان وقف الجنف والإثم.

وأما قوله: لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف. فهل هذا يدل على صحة وقف الجنف والإثم؟ وما مثله إلا كمن رأى رجلًا يصلي في أوقات النهي فأنكر عليه، فقال: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى) ، ويقول: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، أو يذكر فضل الصلاة!!

(1) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم وغيره. انظر الترغيب والترهيب (58:1) .

(2) انظر فتح الباري شرح البخاري (305:5 طبعة بولاق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت