يوشك أن تقع الواقعة، وقد تكون هي الحاسمة المدمّرة، على رأس الطغاة المستبدين المستكبرين. فحذار أن تُخدعوا عن أنفسكم وعن أممكم كما خُدعتم من قبل.
إنهما فريقان يتناحران، ليس بهما إلا الاستبداد والطغيان، وليس بهما إلا أن يستعبدكم الفريقُ المنتصر. لا تصدقوا أن واحدًا من هؤلاء أو هؤلاء يريد بكم الخير أو الحرية.
أيتها الأمم المستعبدة، من العرب، من أقصى العراق إلى أقصى المغرب، ومن المسلمين وغير المسلمين، فيما يسمونه"الشرق الأوسط"و"الشرق الأقصى"! إنكم ضحية هؤلاء الفجرة، وقد لبثتم في إسار الذل والاستبعاد بضع مئات من السنين. ذاق هؤلاء الوحوش الأوربيون طعم الخيرات في بلادكم، ثم طردهم أبطال الإسلام في الحروب الصليبية من بلاد الإسلام وبلاد الشرق. وعرفوا منكم ومن بلادكم معنى الحضارة وحقيقة الحرية فلم يستطيعوا صبرًا عن مطامعهم وثاراتهم.
لا تُخدعوا بما يزعمون من دفاع عن الحرية وعن الحضارة، فإنما الحرية عندهم حرية أوربة، وحرية الأوربيين في أمريكا وغيرها. وشاهدكم على ذلك ما فعلوا ويفعلون في أهل أمريكا الأصليين إلى اليوم، وما فعلوا ويفعلون في أهل أستراليا الأصليين إلى اليوم.
لا تُخدعوا بما يسمونه"الدفاع المشترك"و"المواقع الاستراتيجية"، فإنكم ترون بأعينكم وتسمعون بآذانكم ما يقولون في صحفهم، وما يعلن به قادتهم وزعماؤهم، وهم يصارحونكم بأنهم يأبون عليكم أن تقفوا موقف الحياد بينهم وبين خصمهم، وبأنهم سيأخذونكم في صراعهم إلى جانبهم، رضيتم أم أبيتم. وبأنكم أنتم السياج القوي دونهم وبأنكم الخط الأول في دفاعهم أو هجومهم.
وثقوا بأنه إذا تندّر الناس يومًا ما بأن الإنجليز قالوا في الحرب الماضية"سنقاتل إلى آخر جندي فرنسي"! فسيكون حقيقة واقعة أن الأمم التي تسمي نفسها"ألدمقراطية"وقد ضموا إليهم أعداءهم السابقين من"النازية"و"الفاشية"- ستقول في الصراع القادم سنقاتل إلى آخر رجل أو امرأة أو طفل في الشرق الأوسط والشرق الأقصى!! وسيمتصّون كل قطرة من دمائكم، وسيأكلون كل ذرة من خيراتكم!! فإنهم لا يفقهون إلا أنكم خُلقتم ردءًا لهم أولا، ثم غُنْمًا لهم أخيرًا.
أيها الناس:
لا تخدعن بما في أيدي بعض أممكم من مظاهر الاستقلال، فإنما هو استقلال زائف موقّت، سينقلب إلى أشد ما لقيتم من قبل من ألوان الاستعباد، إذا ما وقعت الواقعة، وجاءت الطامة على رؤوس هؤلاء السادة. وقد جرّبناهم في حربين سالفتين، فما رأينا منهم إلا شرًا، وإلا استعلاء واستعبادًا. بل لا تزال أمم كثر منكم ترْسِف في أغلال العبودية وما حال المغربين الأدنى والأقصى منكم ببعيد.
ولا تنسوا أن هؤلاء الوحوش المتعصبين يكرهون اليهود بأكثر مما تكرهون أضعافًا مضاعفة، ولكنهم في سبيل إذلالكم ووضع أيديهم على أعناقكم، وامتصاص خيراتكم ودمائكم -جاؤوا بشُذّاذ الآفاق من مجرمي اليهود ووضعوهم في قلبكم، قريبًا من الحرمين. وبين العراق والشام ومصر. واصطنعوا لهم دولة يمِدونها بالمال والعتاد، لتملك عليكم أمركم كله من كل ناحية. وجعلوها دولة دينية زعموا! في العصر الذي يدّعون أن الدول الدينية لا بقاء لها ولا قرار.
ولا تظنوا أن الروس خير لكم منهم، أو أنهم سينصرونكم أو يدَعونكم أحرارًا إذا ما ظفروا، فكل هؤلاء وأولئك شرّ، وكلهم عدو. ولكنا نأبى أن ننصر عدوًا على عدو، ونأبى أن نكتب وثيقة استعبادنا بأيدينا، لهؤلاء أو هؤلاء.
بل يجب أن نقاوم هؤلاء وهؤلاء، بما استطعنا من مقاومة سلبية أو إيجابية، فلا نمكّن لواحد منهم في شبر من أرضنا، ولا بحبة واحدة من قوتنا. فمن فعل ذلك فهو خائن لأمته ولبلاده، ولسائر بلاد الشرق من آسيا وأفريقيا.