إن حوادث القاهرة في يوم السبت 26 يناير سنة 1952، لا تكاد تُنسى. فهي أشد ما رأينا من الفظائع والإجرام بما كان فيها من عدوان وبغي، وسرقة وتدمير، دون أن يردع المجرمين رادع. والسلطة القائمة الآن بسبيل وضع اليد على المجرمين اللصوص، وعلى من وراءهم من المحرضين والمدبرين. ونحن على ثقة من وصول يد العدل إلى هؤلاء وأولئك، إن شاء الله.
ولكن لنا عبرة في بعض النواحي التي تكشف عنا هذه الأحداث المدمرة فمن مُثُل ذلك أنا كنا نسمع ونحن أطفال صغار، ثم شبان ناشئون، أن يُطلق العامة وأشباههم على"لوكندة شبرد"اسم"خمارة شَبَت". وكنا لا نعرف ما وراء هذا الاسم من حقيقة فظيعة، لم يكن خيالنا ليصور وجودها في بلد"إسلامي"أو هكذا يسمى. حتى جاءت هذه الأحداث الفظيعة، فكشفت لنا بعض هذه الحقائق المنكرة. وما ندري أيهما أشد فظاعة وأنكى؟ أهذه الحوادث أم هذه الحقائق؟!! حتى أعلمتنا هذه الحقائق أن العامة في طفولتنا كانوا: مُلْهمين، وإما عارفين.
فقد رأينا في بعض الصحف التي تصف ما لقيت"لوكندة شبرد"
من التدمير أن"قبو الفندق كان يحتوي على أكثر من 26 ألف صندوق من صناديق الويسكي"وقد ضاعت كلها في الحريق. وذلك يعني أن مخزون الويسكي بالفندق زاد على ربع مليون زجاجة. كما يقولون إن نحو مائة ألف زجاجة شمبانيا قد ذهبت هي الأخرى طعمة للنيران. كما دمرت عدة صناديق من الكونياك المعروف باسم كونياك نابليون، وعمر الزجاجة الواحدة منه أكثر من 70 سنة. وكانت إدارة الفندق تحتفظ بهذه الزجاجات ولا تقدمها إلا لنزلائها من الملوك، فإذا صدق ما قيل من أن المواد الكحولية هي التي ألهبت الحريق، وكانت السبب المباشر للتدمير الشامل، فإن ذلك يعني أن حريق شبرد قد غذّته هذه المشروبات الروحية بأكثر من 70.000 سبعين ألف جالون من المواد الكحولية الملتهبة". (عن جريدة الأساس يوم الأربعاء 17 جمادى الأولى سنة 1371 =13 فبراير سنة 1952) ."
إذن فلم يكن"شبرد"فندقًا، أو لوكندة كما يسمى: بل كان"خمارة حقيقية"هي أجدر باسم"خمارة شبت"، كما كان يسميها العوام والدهماء.
إذن فقد كان وصمة عار في جبين بلد يوصف بأنه"بلد إسلامي"، وفي جبين دولة ينص دستورها على أن"دين الدولة الإسلام".
وها نحن أولاء نرى الأخبار تبشِّر البلاد! بأن شركة مصرية قد تتشرف بإعادة هذه"الخمارة"إلى سابق مجدها المخزي المخجل! وما ندري ما حقيقة هذا؟ ولكنا على ثقة بأن سيعود هذا الخزي والفجور سافرًا متهتكا، سواء أقامه ناس من الحيوانات الأوربية المنحلة، أم أقامه ناس من عبيدهم عقلا وروحًا ممن ينتسبون عارًا بحق الوِلاد إلى هذه الأمة الإسلامية المسكينة!.
وما كانت"خمارة شبت"وحدها بالعار الذي تخزَى به هذه الأمة المنتسبة إلى الإسلام. ولكن الحوادث أظهرتها مصادفة مثالا بارزا يُتحدّث عنه.
وأرى أنه يجب على الأمة الإسلامية عامة، وعلى الأمة المصرية خاصة، أن تحدد موقفها من الدين والخلق، ثم من الدنيا ومتاعها. وأنا أعرف ما سيتحدّث به عبيد أوربة وعبيد المال، من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وممن لا يستطيعون الصبر عن تلمّس المتعة حيث كانت، وممن لا يستطيعون الصبر عن"الفن والجمال"!! وعن الشهوات وعبادة المال.
أتريد هذه الأمة أن تعبد الله وحده، وتقف عند حدوده التي أُمر بها كل من انتسب إلى الإسلام، أم نريد أن تعبد المال وحده، فتحرص على وروده من أوربة من أي طريق كان، ولو من طريق التهتك والفجور؟!.
على الأمة أن تختار أحد الطريقين: فإما إلى جنة وإما إلى نار.