وعدنا في التعليق على مادة"آزر"ص76 - 77 أن نذكر هذا البحث في آخر الكتاب [1] ، ونفي الآن بما وعدنا، تحقيقا لبحث اضطربت فيه أقوال العلماء والمفسرين والمؤرخين، من المتقدمين والمتأخرين:
ونص لسان العرب في هذه المادة: "وآزر اسم أعجمي، وهو اسم أبي إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وأما قوله عز وجل: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ) قال أبو إسحاق: يقرأ بالنصب"آزر"، فمن نصب فموضع خفض بدل من "أبيه"، ومن قرأ"آزر"بالضم فهو على النداء. قال: وليس بين النسابين اختلاف أن اسم أبيه كان تارخ. والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر. وقيل آزر عندهم ذم في لغتهم، كأنه قال: وإذا قال إبراهيم لأبيه الخاطئ. ورُوى عن مجاهد في قوله: (آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا) قال: لم يكن بأبيه، ولكن آزر اسم صنم. وإذا كان اسم صنم فموضعه نصب، كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر إلهًا أتتخذ أصنامًا آلهة".
وأبو إسحاق الذي قلده الجواليقي وصاحب اللسان، هو أبو إسحاق الزجّاج، إبراهيم بن السري، المتوفى سنة 311، وقد قلده عامة العلماء فيما زعم من أنه لا خلاف في أن اسم والد إبراهيم"تارح"أو تارخ"."
وقد أخطأ الزجاج في هذا خطأ شنيعًا، فإن العلماء بالنسب لم يُجمعوا على ذلك بل حكى ابن جرير في التفسير (158:7) عن السُّدِّي وابن إسحاق أنهما سمياه"آزر"، وعن سعيد بن عبد العزيز أنه قال:"هو آزر"وهو تارح، مثل: إسرائيل ويعقوب". أي لأن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم يسمى أيضا"إسرائيل"، كما هو معروف ثابت. وقد رد الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره (72:3 من الطبعة الأولى ببولاق) على الزجّاج أحسن رد فقال:"أما قولهم أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح. فنقول: هذا ضعيف، لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضا، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين، مثل قول وهب وكعب وغيرهما. وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصار
ى، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن"."
ثم هاب العلماء أقوال النسّابين، وأزعجتهم دعوى الإجماع، فذهبوا يتحيّلون للجمع بين الدليلين! فمنهم من تأوّل إعراب"آزر"أنه مفعول مقدّم، وأنه اسم صنم كالقول المنسوب لمجاهد. ومنهم من تأوله بأنه وصف، معناه المُعْوَج، أو المخطئ، أو الشيخ الهَرِم، أو نحو ذلك. ومنهم من تأوله بأنه لقب لوالد إبراهيم. ومنهم من تأول قوله (لأبيه) بأن المراد"لعمه"وأن العم يطلق عليه أنه أب. ومنهم من روى قراءات غريبة شاذة للكلمة، فإنها رُسِمَت في المصحف هكذا"ءازر أتتخذ"، فرويت قراءة:"أَأَزْرًأ تتخذ"،"بهمزة استفهام وفتح الهمزة بعدها وسكون الزاي ونصب الراء منوّنة وحذف همزة الاستفهام من أتتخذ". قال ابن عطية:"المعنى: أعضدا وقوة ومظاهرة على الله تتخذ". ورويت قراءة:"أَإِزْرًا تتخذ"وهي كالسابقة في الضبط إلا أن الهمزة الثانية مكسورة. قال ابن عطية:"ومعناها أنها مبدلة من واو، كوسادة وإسادة. كأنه قال: أوزرا أو مأثما تتخذ أصناما، ونصبه على هذا بفعل مضمر".
(1) وهو كتاب"المعرب- الجواليقي"، نشر دار الكتب المصرية. الطبعة الثانية.