وقد غلا صديقنا الأستاذ الشيخ أمين الخولي في الاعتماد على هذه الغرائب، حتى قال في التعليق على (دائرة المعارف الإسلامية) في مادة"آزر"ردًا على المستشرق ونسنك:"فهذه أربعة أوجه نقلت في تخريج قراءات الآيات -على نظر في بعضها- يتعين في اثنين منها ألا يكون آزر اسم أبي إبراهيم، ويحتمل ذلك في اثنين. فليس من الصنيع العلمي أن يطلق ناقل عن القرآن القول بأن آزر اسم أبي إبراهيم في سورة الأنعام"!! ونقل كلامه كله أستاذنا العلامة الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء (ص64 - 66) ثم رجّح القول المنسوب إلى مجاهد، بأن"آزر"اسم صنم، وقال:"وعلى ذلك يكون والد إبراهيم لم يُذكر باسمه العلمي في القرآن الكريم"!!.
وهذه كلها أقوال كما ترى!.
أما ما نسب إلى مجاهد من أن"آزر"اسم صنم -فغير صحيح، من جهة الإسناد والثبوت، ومن جهة العربية. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (383:8) :"وحكى الطبري من طريق ضعيفة عن مجاهد: أن آزر اسم الصنم، وهو شاذ". ووصفه إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (159:7) بأنه"قول من الصواب من جهة العربية بعيد، وذلك أن العرب لا تنصب اسمًا بفعل بعد حرف الاستفهام، لا تقول أخاك أكلمت؟ وهي تريد: أكلمت أخاك؟"يعني لأن الاستفهام له الصدارة دائمًا.
وأما من زعم أنه وصف، فإنه إن صح ما قالوا كان وصفًا لا يصدر من نبي لأبيه، وإبراهيم خليل الله يقول له أبوه: (أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) فيقول له إبراهيم: (سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) سورة مريم (46و47) . أفمن يتأدب مع أبيه هذا الأدب في حدة الجدل والمناظرة بعد التهديد من أبيه-: يُعقل منه أن يبدأ دعوة أبيه إلى دينه قبل الجدال بالشتم والسب؟! اللهم غفرا. ومما يرد هذا القول أيضًا ما قال أبو حيّان في البحر المحيط (164:4) أنه"إذا كان صفة أشكل منع صرفه ووصف المعرفة به وهو نكرة". وإن حاول بعد ذلك توجيهه بتكلّف.
وأما تأول الأب بالعم فإنه خروج باللفظ عن ظاهره وحقيقته، إلى معنى يكون به مجازًا، من غير قرينة ولا دليل على إرادة المجاز. ولو ذهبنا نتأول النصوص الصريحة بمثل هذا بطلت دلالة الألفاظ على المعاني. ثم آيات القرآن متكاثرة في جدال إبراهيم لأبيه في الدين، ودعائه إياه إلى الهداية، وإباء أبيه، من ذلك قوله تعالى في سورة التوبة في الآية 114: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) . وانظر أيضًا سورة مريم (41 - 50) والأنبياء (51 - 52) والشعراء (69 - 86) والصافات (83 - 87) والزخرف (26 - 27) والممتحنة (4) ففي هذه المواضع كلها التصريح بأن جدال إبراهيم كان مع أبيه، فكيف يمكن حملها كلها على إرادة المجاز من غير دلالة أو قرينة؟!.