وأما ما سمّوه قراءات في لفظ"آزر"فإنها روايات لا سند لها ولا قوام، وليست تثبت عند أهل العلم بالنقل بحال. فهي أضعف من أن توسم بأنها قراءات شاذة، وإن حكاها أبو حيان وغيره في تفاسيرهم، والقراءات الصحيحة المعروفة، العشرة، بل الأربعة عشر، لم ينقلوا فيها إلا قراءة"آزر"بفتح الراء. وقرأ يعقوب"آزر"بضمها، وليس في كتب القراءات ولا تفسير الطبري سواهما، وانظر النشر لابن الجزري (250:2) وإتحاف فضلاء البشر (ص211) وغيرهما. وحكى الطبري قراءة الضم أيضًا عن أبي يزيد المديني والحسن البصري، وحكاها أبو حيان عن أُبيّ وابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم. وهذه القراءة حجة واضحة في أنه عَلَم، لأنه منادى، قال أبو حيان: ولا يصحّ أن يكون صفة، لحذف حرف النداء، وهو لا يحذف من الصفة إلا شذوذًا". ومع ذلك فإن الطبري لم يرض هذه القراءة، قال:"والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ بفتح الراء من آزر .. وإنما اجيزت قراءة ذلك لإجماع الحجة من القراء عليه"."
وبعد: فإن الذي ألجأهم إلى هذا العنت شيئان اثنان: قول النّسّابين، وما في كتب أهل الكتاب.
أما قول النسابين، فإن هذه الأنساب القديمة مختلفة مضطربة، وفيها من الخلاف العجب! وقد روى ابن سعد في الطبقات (ج1 ق1 ص28) بإسناده عن ابن عباس:"أن النبي عليه السلام كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معدّ بن عدنان بن أُدد، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون، قال الله عز وجل: (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا) ". وذكر ابن سعد بعد ذلك أقوالًا في النسب إلى إسماعيل، ثم قال:"وهذا الاختلاف في نسبته يدل على أنه لم يحفظ، وإنما أُخذ ذلك من أهل الكتاب وترجموه لهم فاختلفوا فيه. ولو صح ذلك لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس به. فالأمر عندنا على الانتهاء إلى معد بن عدنان، ثم الإمساك عما وراء ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم".
وأما كتب أهل الكتاب فإن الله سبحانه وصف هذا القرآن فقال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) . (سورة المائدة 48) . و"المهيمن"الرقيب، فهذا القرآن رقيب على غيره من الكتب، وليس شيء منها رقيبًا عليه. ولذلك قال ابن جرير الطبري في شأن الخلاف في"آزر"أهو اسم أم نعت:"أولى القولين بالصواب عندي قول من قال هو اسم أبيه، لأن الله تعالى أخبر أنه أبوه. وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم، دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعت. فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى تارح، فكيف يكون آزر اسمًا له، والمعروف به من الاسم تارح؟ قيل له: غير محال أن يكون كان له اسمان، كالكثير من الناس في دهرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم. وجائز أن يكون لقبًا. والله تعالى أعلم". وهذه الإجابة من الطبري ليست تسليمًا بصحة الاسم الآخر، وإنما احتاط فأجاب على فرض صحته، كما هو واضح من كلامه.
والحجة القاطعة في نفي التأويلات التي زعموها في كلمة"آزر"، وفي إبطال ما سموه قراءات تخرج باللفظ عن أنه علم لوالد إبراهيم، الحديث الصحيح الصريح في البخاري:"عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك"إلى آخر الحديث، في البخاري (139:4 من الطبعة السلطانية) وفتح الباري (276:6 من طبعة بولاق) . وشرح العيني (15: 243 - 244 من الطبعة المنيرية) . فهذا النص يدل على أنه اسمه العلم، وهو لا يحتمل التأويل ولا التحريف.