بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فما كنت لأود أن أقف من صديقي القديم الشيخ محمد حامد الفقي -هذا الموقف. ولكنه أبى إلا أن يدمِّر صداقة عاشت على الدهر قرابة نصف قرن. ولكنه سئمها فدمرها تدميرًا.
وليست فعلته هذه بأول ما فعل، ولكنها خاتمته التي اختارها وعمل لها بضع سنين، إن لم يكن وأكثر، ونحن لا ندري.
ولست أظن بصديقي القديم -وهو قوي الذاكرة، حافظ للأحداث -أن ينسى ما فعل ويفعل، أو ينسى ما خطّته يمينه، مما لا نريد كشف الغطاء عنه.
وقد أعتدنا طول حياتنا الأخوية أن نختلف في الرأي، وأن يطول بيننا الخلاف والجدال، فلا يُغضب أحدًا منا خلافُ الآخرِ إياه. واعتدنا أن ينقد الآخر أشدّ النقد، فلا يظهر لهذا النقد أثر فيما بيننا. ولكن الصديق القديم اختطّ لنفسه منذ بضع سنين، خطة الاستعلاء والطغيان العلمي -بما اعتقد في نفسه أنه أعلم الناس في هذا العصر، كما صارحني بذلك. حتى لقد صارحته حينذاك بأن لا أجادله في العلم، لئلا أؤرِث حقده الذي بدا، ولا أثير طغيانه الذي اتخذه لنفسه سبيلًا.
ولكن كان يغلبني الفينة بعد الفينة ما درجنا عليه عمرًا طويلًا، فأُناقشه في شيء من العلم، ثم أستدرك خطئي وأسكت.
فكان آخر ذلك أن قرأت في مجلة (الهدى النبوي) في عدد (شهري رجب وشعبان سنة 1374) تعليقاُ له على رسالة منشورة في المجلة، من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية -فهمتُ من هذا التعليق أنه يتضمن تكذيبًا لشيخ الإسلام، يكاد يكون صريحًا في ذلك. فكبُر على الأمر، ولم أجد مناصًا من وضع الحق في نصابه، وتبرئة شيخ الإسلام رحمه الله من هذه التهمة، ومحاولة تبرئة الصديق القديم من أن يرمي إلى هذا أو يقصد إليه. ووضعت بين يديه فرصة يهْتبِلُها، لتأويل ما أفلت من قلمه من الباطل. أو للاعتراف بالخطأ صراحة والرجوع عنه علنًا، وإن لم يكن لي في ذلك أمل، فأنا أعرف صديقي.
فكتبت مقالًا يوم الثلاثاء 3 رمضان سنة 1374، وأرسلته إليه بالبريد المسجل، لما يشقّ علي من كثرة الحركة في رمضان، مع ارتفاع سني وضعف صحتي.
وكان أكثر ما أخشاه أن يطوىَ المقال فلا ينشره في المجلة، لما أعرفُه من خُلُقه. فحاولت الاتصال به تلفونيًا في منزله وفي مقر (جماعة أنصار السنة المحمدية) مرارًا، فلم أوفق. فحدثت صديقًا لي وله -كريمًا- في هذا الشأن، ورجوتُه أن ينصحه بنشر المقال والتعقيب عليه بما شاء. ثم زارني هذا الصديق الكريم، في رفقة من إخواننا مساء الخميس 20 رمضان -فأخبرني أنه استطاع هذا اليوم الاتصال بالشيخ حامد، وحدّثه بشأن المقال، فأنكر له أنه ورد إليه. فعجبت وسكتُّ. ثم جاء الصديق القديم الشيخ حامد مصادفة ونحن بالمجلس، فلم أستحسن أن أتحدث إليه في ذلك على ملأ من الحاضرين. ولكني حدثته بشأنه منفردين عند عزمه على الانصراف -فكان حديثًا عجبًا: