74 -بل ها نحن أولاء، في قضائنا الشرعي الحاضر في الأوقاف الأهلية، كثيرًا ما طلب منا، وممن قبلنا من القضاة وممن بعدنا، (الإذن بمخالفة شرط الواقف) . والمحاكم تأذن بهذه المخالفة في ألوف من المواد والطلبات. أفيعقل أحد أن يطلب علنًا من قاض شرعي (الإذن بمخالفة شرط الواقف) ، إذا كان له من الحرمة في وجوب اتباعه ما يكون لنص الشارع!!
75 -كلا، إنما هي كلمة دارت على الألسنة، لها رنة الأمثال السائرة، فأدارت الرؤوس، ولعبت بالعقول. وسيكون لكم -إن شاء الله- فضل القضاء عليها، فيما تنقضون من شروط الواقفين.
76 -وبعد، فإن هذه الفقرة الثانية من المادة (3) لا يجوز لأحد طاعتها، ولا العمل بها، فيما يتعلق بحرمان الوارثين من ميراثهم الشرعي فيما وقف مورثوهم، حتى لو استوفت صبغتها الدستورية، إذ"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره. إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"، وقد ذكرنا هذا الحديث آنفا. وقال رجل لعبد الله بن عمرو بن العاص:"هذا ابن عمك معاوية، يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله". كما رواه مسلم في صحيحه (2: 87 - 88 طبعة بولاق) في حديث طويل، وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند (رقم 6503، ج10 ص5 - 7 بشرح أحمد محمد شاكر، طبعة دار المعارف سنة 1371 - 1951) .
77 -وما القانون أو المرسوم بقانون إلا أمر يأمر به إنسان ليس بمعصوم، شأنه شأن الأوامر كلها، على أي صيغة صيغت، وعلى أي وضع وضعت، يحكمها ويحكم آمريها حكم الله ورسوله.
78 -ثم الطريق القويم الذي رسمته هذه المحكمة في تطبيق القوانين عند التعارض، بتقديم القانون الأعلى واطراح القانون الأدنى، ينصر هؤلاء المحرومين المظلومين، الذين ظلمهم تعسف الواقفين.
79 -فإن المبادئ الدستورية العامة تؤيد حرمة الملكية. ولم يخرج على ذلك دستورنا: فالدستور القديم الملغى ينص على أن"للملكية حرمة وفق القانون". ثم جاء الإعلان الدستوري القائم الآن عن فترة الانتقال، الصادر في (10 فبراير سنة 1953) فكان أكثر صراحه في هذا المعنى وأدق تعبيرا، فنص على أن"للملكية حرمة، فلا تنزع ملكية أحد إلا بسبب المنفعة العامة".
80 -وحكم الله ورسوله أعلى من المرسوم، ومن القانون، ومن الدستور. (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) . (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) .
والله ولي التوفيق ...