فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 121

"وقد اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وفاسد، كما في سائر العقود. ومن قال: إن شروط الواقف كنصوص الشارع -فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف، لا في وجوب العمل بها. أي أن مراد الواقف يستفاد من ألفاظه المشروطة، كما يستفاد مراد الشارع من ألفاظه. كما يعرف الخصوص والعموم، والإطلاق والتقييد، والتشريك، من ألفاظ الشارع، كذلك يعرف في الوقف من ألفاظ الواقف".

ثم قال:"وأما أن نجعل نصوص الواقف، أو نصوص غيره من العاقدين، كنصوص الشارع في وجوب العمل بها -فهذا كفر باتفاق المسلمين: إذ لا أحد يطاع فيما يأمر به وينهى عنه من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم".

(ص391 - 392 من مختصر الفتاوى المصرية، طبعة مطبعة السنة المحمدية سنة 1368 - 1949، بإشراف الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم) .

68 -وقال تقي الدين السبكي في فتاواه:"والفقهاء يقولون: شروط الواقف كنصوص الشارع. وأنا أقول من طريق الأدب: شروط الواقف من نصوص الشارع! لقوله صلى الله عليه وسلم: المؤمنون عند شروطهم. وإذا كانت مخالفة النص تقتضي نقض الحكم، فمخالفة شرط الواقف تقتضي نقض الحكم"!! (فتاوى السبكي ج2 ص13 طبعة مكتبة القدسي بمصر سنة 1355) .

69 -هكذا قال السبكي، أراد أن يحتج في فتواه لرأي ارتآه، فطاوعته هذه الكلمة السائرة، ليبنى عليها أن"مخالفة شرط الواقف تقتضي نقض الحكم"، لأن من المتفق عليه أن"مخالفة النص -أي نص الكتاب أو السنة- تقتضي نقض الحكم"! ولست أدري كيف رضى لنفسه هذا القياس؟!

70 -ولكنه على الرغم من هذا المقصد غير السديد، لم يستطع أن يستسيغ هذه الكلمة السائرة السيئة، فحوّرها بلباقة ومداورة ليقول"من طريق الأدب: شروط الواقف من نصوص الشارع"! ثم استدل لصحة ما قال بما ينقضه وينفيه. استدل بحديث"المؤمنون عند شروطهم"، وهو حديث صحيح، ذكر بعضه دليلا على صحة المعنى الذي يريد، ثم ترك باقيه الذي ينقض هذه الكلمة ويهدمها.

71 -والحديث رواه الترمذي عن عمرو بن عوف المزني:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا. والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالًا وأحل حرامًا". وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح" (الترمذي1:253 طبعة بولاق، و2:284 من الشرح، طبعة الهند) .

72 -والذي يظهر لي أن أصل الكلمة كان بريئًا من الشناعة التي هي عليها الآن، وأن من أتى بمعناها من المتقدمين أراد بها أوجه الدلالة اللفظية، كالعموم والخصوص ونحو ذلك. كما تأولها شيخ الإسلام ابن تيمية -لله دره- وكما تبعه على ذلك العلامة ابن نجيم، من علماء الحنفية في القرن العاشر، في كتابه البحر الرائق شرح الكنز في فقه الحنفية، (ج5 ص265، الطبعة الأولى بالمطبعة العلمية) ، وإن اضطرب كلامه بعد ذلك بعض الشيء، في كتابه الآخر، الأشباه والنظائر (ج1 ص305 من حاشية الحموي على الأشباه، طبعة دار الطباعة العامرة بالاستانة) ، فقد صرح بأن"شرط الواقف يجب اتباعه، لقولهم: شرط الواقف كنص الشارع. أي في وجوب العمل به، وفي المفهوم والدلالة، كما بينا في شرح الكنز، إلا في مسائل"إلخ. ولذلك تعقبه الحموي في الحاشية لما"بين كلامه في الشرح -يعني البحر الرائق- وما في كلامه هنا من المخالفة"!!

73 -وكل من قرأنا له من الفقهاء المتأخرين، الذين دارت هذه الكلمة على ألسنتهم، رأينا لهم منها استثناءات، لأن هذا من البديهيات لا يستطيع مسلم أن يؤمن في دخيلة نفسه بأن كلام أي إنسان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر في الحرمة ووجوب الطاعة كنص الشارع، ولا أبو بكر وعمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت