فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 121

61 -ومن أعجب المتناقضات في هذه (الأوقاف الأهلية وشروطها الباطلة: أن تُبنى في ظاهر أمرها على عمل من أعلى القربات وأسماها وأرجاها قبولا عند الله، وهو الصدقة الجارية التي يقصد بها إلى البر والرحمة! فتجدون وثائقها تبدأ دائمًا بهذه المعاني: حبس فلان وتصدق وفعل وفعل! مع الدعاء الغالي له، من الكاتب الموثق، أو القاضي الذي يشهده الواقف على صنع أو يصنع من خير وقربى إلى الله!! ثم ينتهي به المطاف آخر الإشهاد إلى اصطناع الخير، فيجعل الوقف بعد انتهاء ذريته المباركة، أو ذرية معتوقيه، أو ذرية من يوجّه لها الاستحقاق إذا كانت حظية عنده-: إلى جهة خير وبر حقًا: إلى الحرمين الشريفين، إلى الأزهر وطلاب العلم الديني، إلى الفقراء والمساكين!! وما إلى ذلك، مما لا يكاد يقصد إليه أو يفكر فيه، إلا أنهم أفهموه أن هذا شرط في صحة الوقف وسماع إشهاده، أو فهمه هو -تقليدًا- بما تعلم من العلم، إن كان من أهل العلم الموسرين!! ثم هو يحشر بين ذلك الحبس والتصدق، وبين هذا البر والتقوى، كل معصية لله في ماله وظلم لعباده، من حرمان زوجه أو زوجات، أو أولاد أو بنات، أو أبناء بعض الأولاد دون بعض وقد يكون من أمثلهم طريقة من يعدل بين أولاده وبناته وأزواجه -على حسب الفريضة الشرعية! ثم لا ينسى أن يجعل وقفه على(أولاد الظهور دون أولاد البطون) ، حرصًا على سلسلة نسبه الكريم!! أو ينقل نصيب الزوجة بعد مماتها إلى أولاده منها أو من غيرها، فلا يذهب شيء من بعدها إلى وارثها الشرعي! وهو يظن أنه بهذا الذي فعل وقف عند حدود لله. غير شاعر بأنه تجاوزها، وأنه حمل عبء آثامه فيما صنع، وأن عليه وزره إلى يوم القيامة.

6 -وقد خُدع الناس دهورًا طولا، بكلمة سائرة براقة، لا ندري كيف سارت فيهم، ولا كيف سارت بهم، حتى صارت على ألسنتهم كأنها بديهة من البدائه!! قالوا، وكبرت كلمة قالوا: (شرط الواقف كنص الشارع) !!

63 -ولقد حاولت جهدي أن أتتبع أوّليتها، أنّى بدأت، وكيف سارت وطالت، ثم استقرت؟ فما استطعت.

64 -أقدم ما وجدت مما يقارب معناها، وإن لم يكن في مثل جرأتها، كلمات لشمس الأئمة السرخسي صاحب المبسوط، وهو من علماء القرن الخامس الهجري. تجري عرضًا أثناء كلامه. مثل قوله في المبسوط (49:14 طبعة الساسي بمصر) :"وشرطه في الوقف مراعىً". ومثل قوله في شرح السير الكبير، من تأليفه أيضًا:"فيراعى شرطه، كما لو شرط شرطًا آخر، لأن شروط الوقف تراعى". (شرح السير الكبير 267:4، طبعة حيدر آباد بالهند) .

65 -ثم لم أجد لها ذكرًا بعد ذلك إلى القرن الثامن الهجري، فوجدت عالمين كبيرين من أهل ذلك العصر، تحدثا عنها. هما: شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الإمام، والشيخ تفي الدين السبكي. وحكايتهما لها تدل على أنها شاعت قبل عصرهما على ألسنة الفقهاء. ولعلها ذكرت في مصادر لم تصل إلينا، أو في كتب لم نعرف موضعها فيها. ولكنهما، فيما يبدو من كلامهما، لم يرضياها:

66 -فكان شيخ الإسلام ابن تيمية، كعادته، قوّالًا بالحق، صادعًا بما أمر الله، جريئًا شجاعا، لا يخشى إلا الله. فصرح بإنكارها، وأعلن باطلها. وكان السبكي لبقًا مجاملًا، فجاء بكلمات رقاق ملتوية، ظاهرها الموافقة عليها، وباطنها، أو مآلها إنكارُها أيضًا ونقضها.

67 -فقال شيخ الإسلام ابن تيمية، في (مختصر الفتاوى المصرية) ، وهو كتاب للعلامة بدر الدين البعلي، انتقى فيه مهمات من فتاوى الإمام شيخ الإسلام:

"الأصل أن كل ما شرط من العمل في الوقوف التي توقف على الأعمال، فلا بد أن يكون قرابة، إما واجبًا، وإما مستحبًا. أما اشتراط عمل محرم فلا يصح باتفاق المسلمين. بل كذلك المكروه، وكذلك المباح، على الصحيح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت