أنا لا أُدافع عن التوراة الموجودة الآن بين يدي اليهود، ولا عن نسختها الأخرى التي بين يدي النصارى باسم"العهد القديم"، فإني أعرف أنها لم تصل إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بطريق يقيني أنها هي"التوراة"التي أنزل الله على نبيه موسى عليه السلام. بل أكاد أجزم أنها تاريخ كتب بعد موسى بدهر طويل، فيها شيء من التوراة الصحيحة، وفيها تزيد كثير، لم يعرفه موسى ولا هرون. وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لم يثبت من أخبارهم وأحكامهم في القرآن، ولم نجد في كتاب الله ما ينفيه، أن نقف منهم موقف الحياد، فلا نصدقهم ولا نكذبهم، ونقول: (آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [1] .
ولا أرى لمسلم أن يستغل عداء اليهود للمسلمين منذ قديم الزمان، وعدوانهم علينا في عصرنا هذا، فيكذب أخبار الله عنهم في القرآن، ويطعن في الأنبياء السابقين، كما يفعل بعض الناس في هذه الأيام.
والأستاذ سليم بك حسن يكاد يفعل هذا أو يقاربه، فيقول في (ص108) :"وكان موسى من الوجهة المصرية أقل شأنًا من يوسف، فقد كان كما تقول التوراة لقيطًا في قصر الفرعون، ثم هاربًا من وجه العدالة، ثم متكلمًا عن عبيد غرباء"!!
ووجهة (النظر المصرية) هذه لا يجوز لمسلم أن يحكيها إلا ليردّها بما يكذبها في القرآن، إن كان أحد من المصريين قالها من قبل. فالله سبحانه يقول: (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [2] .
وكلمة"لقيط"التي سمح المؤلف لنفسه أن يصف بها نبيًا من أولي العزم من الرسل، وما أظنه يرضاها لبعض من يعرف أو يحب، كلمة خارجة على كل الحدود، لا توافق دينًا ولا خُلقًا ولا أدبًا.
ثم نعود إلى الكلام من أوله:
يذكر الأستاذ المؤلف (ص106 - 107) أن ذكر بني إسرائيل لم يعثر عليه في الآثار المصرية إلا مرة واحدة في"القصيدة الرائعة التي نقشها مرنبتاح تخليدًا لذكرى انتصاراته على أقوام لوبيا والبحار"، وأنه لم يجدهم"يُذكرون بعد ذلك على الآثار إلا بعد انقضاء أربعة قرون من ذلك التاريخ".
وهو من قبلُ ذكر هذا الشيء الذي يسميه"القصيدة الرائعة"، وترجم معانيها إلى عربيته (ص96 - 101) ، وقدمها إلى قراء كتابه بأنها"قصيدة عن انتصار مرنبتاح"وهو اسم أحد فراعينه الذي يزعم أن خروج بني اسرائيل كان على عهده! وقال:"هذه القصيدة منقوشة على لوحة تذكارية من الجرانيت الأسود، وهي المسماة: لوحة إسرائيل، وقد أقيمت في معبد الملك الجنائزي". ثم يقول في التمهيد لمتنها:"وفي ختام هذه القصيدة الرائعة يعدد لنا الشاعر القبائل أو الأقاليم التي أخضعها مرنبتاح، ومن بينها قبيلة بني إسرائيل. وهذه أول مرة ذكر فيها هؤلاء القوم في المتون المصرية، ولذلك سميت هذه اللوحة باسمهم. وكذلك قيل عن مرنبتاح إنه فرعون موسى الذي ذكر في القرآن وغيره من الكتب المقدسة. وهذا طبعًا لا يرتكز على حقائق تاريخية"!!
(1) الآية46 من سورة العنكبوت.
(2) الآيات 3 - 6 من سورة القصص.