ولا ينسى الأدباء والمؤرخون للأدب العربي جهده الممتاز في إخراج كتاب"الشعر والشعراء"لابن قتيبة، و"لباب الآداب"لأسامة بن منقذ، كما لا ينسى اللغويون جهده الوثيق في إحياء"المعرّب"لابن الجواليقي.
أما أهل الحديث فمع اعترافهم بإمامته في عصره من الهند شرقًا إلى المغرب غربًا نجد أنه منحهم من جهوده بعد أن قدم خمسة عشر سِفرًا من صحيح الإمام أحمد بن حنبل، عملًا رائعًا آخر هو الجزء الأول من مسند ابن حِبّان، وجزأين من الجامع الصحيح للترمذي، ومشاركة مع العالم الجليل الشيخ حامد الفقي في إخراج تهذيب سنن أبي داود.
ومن أظهر أعماله وأنفعها في هذا المجال شرحه المستفيض لكتاب الحافظ ابن كثير:"اختصار علوم الحديث"في مجلد كبير عظيم النفع لعلماء الحديث وطلابه، جلّى فيه الكثير من الغوامض، وأزال فيه كثيرًا من الشبهات.
ونجد له في مجال التفسير"عمدة التفسير"تهذيباَ لتفسير ابن كثير، وقد أتم منه خمسة أجزاء.
وفي مجال الفقه وأصوله:"الإحكام"لابن حزم، وجزأين من"المحلى"لابن حزم أيضًا، و"العمدة في الأحكام"للحافظ عبد الغني المقدسي وغير هذا وهذا كثير.
ولا غرو في هذا الفضل الشامل الذي اقتبس كثيرًا منه من والده وشيخه العلامة الإمام محمد شاكر (1282 - 1358) -رحمه الله- الذي كان يحتفظ بإجازة حديثية منه.
هذا هو العالم المحدث المفسر الفقيه اللغوي الأديب الكاتب: أحمد محمد شاكر، وهي صورة موجزة كل الإيجاز، لكنها تنمّ عما وراءها من فضل كبير.
وأما بعد: فإن نشر هذه المقالات النفيسة التي ظهر بعضها للمرة الأولى في مجلة"الهدى النبوي"بدءًا من المجلد الخامس عشر حينما كان الشيخ رئيسًا لتحريرها وذلك تحت عنوان"كلمة الحق"مع إضافة غيرها من المقالات، يعدّ نشرًا لجانب من حياته العلمية التي كان يبتغي بها الإرشاد والنقد، والإصلاح لبعض ما كان يظهر في آفاق العالم العربي والإسلامي، من انحراف ديني، أو خلقي، أو أخطاء علمية دقيقة.
ونجد في هذا المجلد النفيس الذي أُريد به إحياء ذكرى الشيخ، ما يُعد نموذجا لأمانة الأداء في إعلاء"كلمة الحق"، وقد صدّرت هذه المجموعة بمقال علمي نفيس عنوانه"جرأة عجيبة على تكذيب القرآن"موجّه إلى المؤرخ الأثري: سليم حسن، ردًا ونقدًا لما كتبه في شأن موسى عليه السلام وفرعون ملك مصر. وفيها كغيرها تظهر قوة النقد والتصحيح.
كما نجد بحثًا فقهيًا طريفًا في أمر"ولاية المرأة للقضاء"، ودعوة كريمة لتمكين الطلاب المسلمين في المدارس الأجنبية التي تستمر الدراسة فيها في أيام الجمع، أن يُمنحوا من الوقت، ما ييسر لهم أداء صلاة الجمعة في وقتها.
وبحثا إنسانيًا اجتماعيا في"حق الخادم على سيده"انتصر فيها لهذه الطائفة التي يهدر بعض أهل الجهل حقوقها.
وبحثًا علميًا دقيقًا آخر في تحقيق سنّ أم المؤمنين عائشة"رضي الله عنها"، وآخر في أن آزر هو والد إبراهيم عليه السلام، وهو تحقيق طريف.
وهذه كلها نماذج تعرض أقل القليل مما جاد به قلمه في مختلف شئون الإرشاد والفتوى.
إنه تعريف ووفاء للشيخ الإمام:"أحمد محمد شاكر"الذي يعسر التعريف بفضله كل العسر، ويقصر الصنع عن الوفاء له كل الوفاء، رحمه الله وجزاه عن جهاده وصادق إيمانه خير الجزاء.
القاهرة في 13/ 5/1407هـ
13/ 1/1987م
عبد السلام محمد هارون