فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 121

والمثل: أنا نرى كثيرًا من المسلمين الذين عهد إليهم بتنفيذ هذه القوانين والقيام عليها، بالحكم بها، أو بالشرح لها، أو بالدفاع فيها، نراهم مسلمين فيما يتبين لنا من أمرهم، يصلون ويحرصون على الصلاة، ويصومون ويحرصون على الصوم، ويؤدون الزكاة ويجودون بالصدقات راضية نفوسهم مطمئنين، ويحجون كأحسن ما يحج الرجل المسلم، بل نرى بعضهم يكاد يحج هو وأهله في كل عام، ولن تستطيع أن تجد عليهم مغمزًا في دينهم، من خمر أو رقص أو فجور، وهم فيما يفعلون مسلمون مطمئنون إلى الإسلام، راضون معتقدون عن معرفة ويقين.

ولكنهم إذا مارسوا صناعتهم في القضاء أو التشريع أو الدفاع، لبستهم هذه القوانين، وجرت منهم كالشيطان مجرى الدم، فيتعصبون لها أشد العصبية، ويحرصون على تطبيق قواعدها والدفاع عنها، كأشد ما يحرص الرجل العاقل المؤمن الموقن بشيء يرى أنه هو الصواب ولا صواب غيره، وينسون إذ ذاك كل شيء يتعلق بالإسلام في هذا التشريع، إلا ما يخدع به بعضهم أنفسهم أن الفقه الإسلامي يصلح أن يكون مصدرًا من مصادر التشريع! فيما لم يرد فيه نص في قوانينهم، ويحرصون كل الحرص على أن يكون تشريعهم تبعًا لما صدر إليهم من أمر أوربة في معاهدة منترو، مطابقًا لمبادئ التشريع الحديث، وكما قلت مرارًا في مواضع من كتبي وكتاباتي: وتبًّا لمبادئ التشريع الحديث.

فهؤلاء الثلاثة الأنواع: المتشرع والمدافع والحاكم، يجتمعون في بعض هذا المعنى ويفترقون، والمآل واحد.

أما المتشرع: فإنه يضع هذه القوانين وهو يعتقد صحتها وصحة ما يعمل، فهذا أمره بيّن، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.

وأما المدافع: فإنه يدافع بالحق والباطل، فإذا ما دافع بالباطل المخالف للإسلام معتقدًا صحته، فهو كزميله المتشرع. وإن كان غير ذلك كان منافقًا خالصًا، مهما يعتذر بأنه يؤدي واجب الدفاع.

وأما الحاكم: فهو موضع البحث وموضع المثل. فقد يكون له في نفسه عذر حين يحكم بما يوافق الإسلام من هذه القوانين، وإن كان التحقيق الدقيق لا يجعل لهذا العذر قيمة.

أما حين يحكم بما يُنافى الإسلام، مما نص عليه في الكتاب أو السنة، ومما تدل عليه الدلائل منهما، فإنه -على اليقين- ممن يدخل في هذا الحديث: قد أمر بمعصية القوانين التي يرى أن عليه واجبًا أن يطيعها أمرتْه بمعصية، بل بما هو أشد من المعصية: أن يخالف كتاب الله وسنة رسوله، فلا سمع ولا طاعة، فإن سمع وأطاع كان عليه من الوزر ما كان على آمره الذي وضع هذه القوانين، وكان كمثله سواء.

4 -وقد صنع رجال كبار من رجال القانون عندنا شيئًا شبيهًا بهذه القاعدة، احترامًا منهم لقوانينهم التي وضعوها.

فقد قرر مجلس الدولة مبدأين خطيرين، فيما إذا تعارض قانون عادي من قوانين الدولة مع القانون الأساسي، وهو الدستور، فجعل الأولية للدستور، وأنه يجب على المحاكم أن لا تطبق القانون العادي إذا عارضه.

ومجلس الدولة هيئة من أعلى الهيئات القضائية، وُكل إليه فيما وُكل إليه من الاختصاص أن يحكم بإلغاء القرارات الإدارية التي تصدرها الحكومة إذا ما صدرت مخالفة للقوانين.

وهذان المبدآن اللذان نحن بصددهما أصدرتهما الدائرة الأولى من ذلك المجلس، برئاسة رئيسه محمد كامل مرسي باشا، وهو واضع قانون مجلس الدولة، أو هو الذي له اليد الطولى في إصداره، وهو الذي ولى رئاسته أول ما أُنشىء، وهو مرسي قواعده، ومثبت أركانه. والمبدآن اللذان قررهما:

أحدهما:"أنه ليس في القانون المصري ما يمنع المحاكم المصرية من التصدي لبحث دستورية القوانين، بله المراسيم بقوانين، سواء من ناحية الشكل، أو الموضوع".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت