وقد قلنا:"يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم وأن يقتلهم حيثما وجدوا، مدنيين أو عسكريين"، ونحن نقصد إلى كل حرف من معنى هذه الجملة. فأينما كان المسلم، ومن أي جنس كان من الأجناس والأمم، وحب عليه ما يجب علينا في مصر والسودان. حتى المسلمين من الإنجليز في بلادهم - إن كانوا مسلمين حقًا- يجب عليهم ما يجب على المسلمين من غيرهم ما استطاعوا. فإن لم يستطيعوا وجبت عليهم الهجرة من بلاد الأعداء، أو من البلاد التي لا يستطيعون فيها حرب العدو بما أمرهم الله.
فإن الإسلام جنسية واحدة -بتعبير هذا العصر- وهو يلغي الفوارق الجنسية والقومية بين متبعيه، كما قال تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) [1] ، والأدلة على ذلك متواترة متضافرة، وهو شيء معلوم من الدين بالضرورة، لا يشك فيه أحد من المسلمين، بل إن الإفرنج ليعرفون هذا معرفة اليقين. ولم يتشكك فيه إلا الذين رباهم الإفرنج منا واصطنعوهم لأنفسهم حربًا على دينهم وعلى أمتهم، من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا، إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) [2]
فلم يستثن الله من وجوب الهجرة على كل مسلم في بلاد أعداء الله إلا الضعفاء ضعفًا حقيقيًا، لا يعرفون ما يصنعون، ولا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا.
لم يقبل الله عذرًا من أحد، بمال ولا ولد، ولا مصالح ولا علاقات. (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [3] .
فسرد الله جميع الأعذار والتعلاّت التي ينتحلها المترددون المتخاذلون، ثم رفضها كلها، لم يقبل منها عذرًا ولا تعلّة.
فليسمع هذا وليضعه نصب عينيه كل مسلم في مصر والسودان، والهند والباكستان، وكل بلد يحكمه الإنجليز الأعداء، أو يدخل في نطاق نفوذهم، من سائر أقطار الأرض، ومن أي جنس أو لون كانوا.
أما التعاون مع الإنجليز، بأي نوع من أنواع التعاون، قل أو كثر، فهو الردة الجامحة، والكفر الصُّراح. لا يقبل فيه اعتذار، ولا ينفع معه تأول، ولا ينجى من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق. سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء. كلهم في الكفر والردة سواء. إلا من جهل وأخطأ، ثم استدرك أمره فتاب واتخذ سبيل المؤمنين؛ فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم. إن أخلصوا من قلوبهم لله، لا للسياسة ولا للناس.
وأظنني قد استطعت الإبانة عن حكم قتال الإنجليز وعن حكم التعاون معهم بأي لون من ألوان التعاون أو المعاملة، حتى يستطيع أن يفقهه كل مسلم يقرأ العربية، من أي طبقات الناس كان، وفي أي بقعة من الأرض يكون.
(1) الآية 52 من سورة المؤمنون.
(2) الآيتان 98،97 من سورة النساء.
(3) الآية 24 من سورة التوبة.