فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 121

ولم يكن الأئمة السابقون من العلماء يحجمون عن نقد بعض قراءة القراء السبعة وغيرهم، بل كثيرا ما حكموا على بعض حروفهم في القراءة بأنها خطأ، وقد يكون الناقد هو المخطئ ولكنه ينقد عن علم وحجة فلا عليه إن أخطأ. ولو كانت حروف القراء كلها متواترة تفصيلا كما يظن كثير من العلماء وغيرهم: لكان الناقد لحرف منها خارجًا عن حد الإسلام، ولم يقل بهذا أحد. والعياذ بالله من أن نرمي أمثالهم بهذا.

فمن أمثلة ذلك أن إمام المفسرين وحجة القراء أبا جعفر محمد بن جرير الطبري رد قراءة حفص عن عاصم من السبعة ويعقوب من العشرة في قوله تعالى في سورة الحج (آية 25) (سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) بنصب"سواء"فقال في تفسيره (103:17) "وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه (سَوَاء) نصبًا، على إعمال. (جعلنا) فيه وذلك وإن كان له وجه من العربية فقراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع الحجة من القراء على خلافه"!.

وقد رد الطبري والزمخشري، وهما إمام العربية والتفسير: قراءة ابن عامر في قوله تعالى في سورة الأنعام (آية 137) : (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ) فقال الطبري (33:8) "وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ) بضم الزاي (لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ) بالرفع (أَوْلاَدِهِمْ) بالنصب (شُرَكَآئِهُمْ) بالخفض، بمعنى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم، وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح، وقد روى عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام، رأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه. وقال الزمخشري في الكشاف (42:2) "وأما قراءة ابن عامر (قتل أولادَهم شركائهم) برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف-: فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر، لكان سمجًا مردودًا، كما سمج ورد [زج القلوص أبي مزاده] فكيف به في الكلام المنثور! فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته!!"."

وقد أطال الإمام ابن الجزري في كتاب النشر القول في الرد على الطبري والزمخشري في نقدهما هذا الحرف على ابن عامر، وعقد لذلك فصلا نفيسًا (254:2 - 256) ، ولسنا بصدد تحقيق الصواب في هذا الخلاف هنا، ولا نبغي أن نحكم بالخطأ على ابن عامر، إنما نريد أن ندل على أن المتقدمين لم يكونوا يردون أن وجوه القراء في حروفهم متواترة كلها، وإلا كان في الإقدام على إنكار بعضها جرأة غير محمودة.

وكذلك أنكر أبو إسحاق الزجاج حرفًا من قراءة حمزة في قوله تعالى في سورة الكهف (آية97) (فَمَا اسطَّّاعُوا) إذ قرأها بتشديد الطاء كما في النشر وغيره من كتب القراءات، قال في لسان العرب (112،10) :"وكان حمزة الزيات يقرأ (فَمَا اسطَّّاعُوا) بإدغام الطاء والجمع بين ساكنين. وقال أبو إسحاق الزجاج: من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل ويونس وسيبويه وجميع من يقول بقولهم."

ولذلك كله لا نرى علينا بأسًا أن نقول: إن قراءة من قرأ بحذف البسملة بين السور في الوصل قراءة غير صحيحة، إذ هي تخالف رسم المصحف فتفقد أهم شرط من شروط صحة القراءة، وأن البسملة آية من كل سورة في أولها سوى براءة، على ما ثبت لنا تواترًا صحيحًا قطعيًا من رسم المصحف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت