أقام الضباط حفلًا كبيرا بعد"نجاح الثورة"مباشرة تكريمًا لسيّد رحمه الله، فالقائمين على الثورة أدركوا خطورة الرجل وشعبيته، فتزلفوا له في البداية، ولم يكن سيدًا"بالخب ولا الخبّ يخدعه"، ومما قاله في هذا الحفل ارتجالًا"إن الثورة قد بدأت حقًا، وليس لنا أن نثني عليها، لأنها لم تعمل بعد شيئًا يُذكر، فخروج الملِك ليس غاية الثورة، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام ..."، وقال أيضا"لقد كنت في عهد الملكية مهيّئا نفسي للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضا، فأنا في هذا العهد، مهيّئ نفسي للسجن، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل". هنا وقف جمال عبد الناصر وقال مخاطبًا سيدًا والحشد بصوت جهوري"أخي الكبير سيّد، والله لن يصلوا إليكَ إلّا على أجسادنا، جثثًا هامدة، ونُعاهدك باسم الله، بل نجدّد عهدنا لك أن نكون فدائك حتى الموت"!! وصفّق الناس بعدها تصفيقا حادًّا وهتفوا بحياة سيّد!!
ولكن سيدًا الأديب المفكّر العبقري يعرف مداخل الكلمات ومخارجها وحقيقتها، فلم يأبه بما قال عبد الناصر، فالعبرة عنده بالحال وليس بالمقال، وقد صدَق حدس سيّد رحمه الله فقُبض عليه وسجَنه عبد الناصر بعد ستة أشهر فقط من معاهدته لسيّد بفداءه بنفسه [1] !!
ربما لا توجد شخصية في عصرنا أثارت إعجاب الناس وفضولهم مثل شخصية سيد قطب رحمه الله، فلا أعرف شخصًا في زماننا أُلِّفت فيه المؤلفات وبُحثت في شخصيته وآثاره البحوث مثل سيد قطب، وأكثر هذه الدراسات والأبحاث تقف مبهورة أمام فكره وقوة عزيمته وعبقريته، ولا أعرف رجلًا في زماننا قامت على دراساته دراسات مثل سيّد قطب، فهناك مئات الدراسات التي
(1) -[انظر كتاب"سيد قطب، من الميلاد إلى الإستشهاد"لصلاح عبد الفتاح الخالدي، فهو من = أفضل الكتب التي كتبت عن حياة سيد رحمه الله، واستفدت منه كثيرا في تحضير هذه المادة ..