الكتاب في غيابي، وبدأ الحديث عن الشرق ومصر وتوقعات المراقبين بأن الوريث للحكم الملكي القائم هو أحد اثنين: إما الشيوعيون وإما الإخوان المسلمون، والمرجح أنهم الإخوان، ثم بدأ يفتح لي ملفا خاصا بالإخوان فيه من التفصيلات والجزئيات مما يدق على أبناء مصر أنفسهم حتى المختصين، ثم قال: إذا وصلت جماعة الإخوان إلى الحكم فإنها ستحرم مصر من ثمار الحضارة الغربية، ثم قال أخيرا: نحن نهيب بأمثالك من المثقفين أن يحولوا بين الإخوان وبين الوصول إلى الحكم، لأن وصولهم هو نهاية مصر المؤسفة الأليمة! ? قال سيد: وفي بيت مدير الإستخبارات البريطاني في واشنطن قررت أن أدخل جماعة الإخوان فور عودتي، لأنه لا يمكن لجماعة تكيد لها الدوائر العالمية هذا الكيد أو تخطط ضدها هذا التخطيط إلا أن تكون الجماعة على الحق.
لقد دخل سيد جماعة الإخوان، وقد عرف بنفسه الكيد الهائل ضد الإسلام والكراهية العميقة التي لا يمكن للغرب أن يخفيها.
-وأما سعة ثقافته: فيقول عن نفسه [1] (إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والإطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية ... ما هو من تخصصه وما هو من هواياته .. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوّره: فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ضئيلا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم - وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك - وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره، فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها [2] .. وعلى انحرافها وضآلتها
(1) - [معالم في الطريق لسيد قطب ص (143) ] .
(2) - روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال"لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية"، ومن المآخذ التي تؤخذ على بعض العلماء اليوم عدم معرفتهم بأحوال من حولهم من الأمم والشعوب بل حتى أحوال البلاد التي يعيشون فيها، فبعضهم دفن نفسه في مكتبه واعتزل العالم، وآخرون عاشوا في بيئة علمية بحتة بين أفراد قلائل من طلبة العلم والعلماء لا يتجاوزونهم لغيرهم، وبعضهم لا يخرج إلى الأسواق أو أماكن العامة خشية اجتماع الناس عليه، وهكذا انعزل بعض العلماء عن واقع الناس وعاشوا في أبراج عاجية يسمعون عن الناس ولا يرونهم، فتصوّرهم لمشاكل الناس وأحوالهم تصور مبني على النقل لا المشاهدة، والفرق بين الأمرين كبير، وهذا الإنطواء وهذه الإنعزالية لم يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم أوالصحابة، وكذا كبار علماء هذه الأمة، وقد روي أن عيسى عليه السلام كان يجتمع بالعصاة من العوام فقال له تلاميذه: لم تجتمع بهؤلاء وتتركنا، فقال"إن الصحيح لا يحتاج إلى دواء"!!