الصفحة 15 من 46

وإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادًا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والألوهية.

وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان ... ..

وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم، وزعما أن الحق ظهر لهما ثم لحقا بالساحل، وعادا إلى تلك المقالة وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين، بمكاتبة الملوك المصريين.

بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى والحور بعد الكور.

(يقول أبو قتادة: كان أئمة الدعوة النجدية في الدولة الثانية يكفرون جند وعساكر وقادة المصريين بعد أن رأوا منهم الأعاجيب لما دخلوا الدرعية بقيادة ابراهيم باشا ابن محمد علي، فقد استباحوا الدماء والأعراض, ونقضوا الدرعية حجرا حجرا، وذلك بعد أن أعطوا الأمان لأهلها، ثم أخذوا العلماء والأمراء الى مصربعد قتل الكثير منهم، فرأوا هناك أن عامة الجند لا يصلون ويستحلون المحرمات) .

ثم قال:

ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسُّنة قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النَّبوي وتفسير السُّنة.

ثم قال: ونضرب لك مثلًا: وهو أن رجلين تنازعا في آيات من كتاب الله أحدهما خارجي والآخر مرجىء.

قال الخارجي: إن قول الله تعالى"إنما يتقبل الله من المتقين"دليل على حبوط أعمال العصاة والفجار وبطلانها إذ لا قائل أنهم من عباد الله المتقين.

قال المرجىء: هي في الشرك، فكل من اتقى الشرك يقبل عمله، لقوله تعالى"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"

(يقول أبو قتادة: وجد من بعض أهل العلم قديما من لم ير محبطا للعمل الجزئي والكلي إلا الشرك وهذا خطأ شنيع -انظر فتح الباري لابن رجب الحنبلي في كتاب الإيمان-باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله-) .

قال ابن رجب رحمه الله تعالى فيه: والآثار عن السلف في حبوط بعض الأعمال بالكبيرة كثيرة جدا يطول استقصاؤها.

وأما من زعم أن القول بإحباط الحسنات بالسيئات قول الخوارج والمعتزلة خاصة، فقد أبطل فيما قال، ولم يقف على أقوال السلف الصالح في ذلك.

نعم المعتزلة والخوارج أبطلوا بالكبيرة الإيمان كله، وخلدوه بها في النار.

وهذا هو القول الباطل الذي تفردوا به. (فتح الباري لابن رجب1/ 200) .

قال الخارجي: قوله تعالى"ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا"يرد ما ذهبت إليه.

قال المرجىء: المعصية هنا الشرك بالله، واتخاذ الأنداد معه لقوله"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء".

قال الخارجي:"أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقًا"دليل على أن الفساق من أهل النار خالدين فيها.

قال المرجىء: في آخر الآية"وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون"دليل على أن المراد من كذَّب الله ورسوله، والفاسق من أهل القبلة كامل الإيمان.

قال الشيخ: ومن وقف على هذه المناظرة من جهال الطلبة والأعاجم ظن أنها الغاية المقصودة، وعض عليها بالنواجذ، مع أن كلا القولين لا يرتضى، ولا يحكم بإصابته أهل العلم والهدى، وما عند السلف والراسخين في العلم خلاف هذا كله، لأن الرجوع إلى السُّنة المبينة للناس ما نزل إليهم.

وأما أهل البدع والأهواء فيستغنون عنها بآرائهم وأهوائهم وأذواقهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت