ثم قال: وقد بلغني أنكم تأولتم قول الله تعالى في سورة محمد (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر) . على بعض ما يجري من أمراء الوقت: من مكاتبة أو مصالحة أو هدنة لبعض الرؤساء الضالين والملوك المشركين، (يقول أبوقتادة: الحال اليوم هي الحال في أمس المسلمين. والله الحافظ من مضلات الفتن) ، ولم تنظروا لأول الآية وهي قوله:"إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى"ولم تفقهوا المراد من الطاعة، ولا المراد من الأمر بالمعروف المذكور في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، وفي قصة صلح الحديبية، وما طلبه المشركون واشترطوه وأجابهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكفي في رد مفهومكم ودحض أباطيلكم. انتهى.
يقول أبو قتادة: أصل المناظرة هذه التي ذكرها الشيخ هي في كتاب الفصل للإمام ابن حزم رحمه الله تعالى عند رده على المرجئة، فهناك تراه بتوسع.
قال أبو قتادة: تأمل أخي وأعد قراءتها لتفهمها على وجهها الصحيح فتدرك ما أنت عليه من الفقه في هذه المسائل.
يقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (11/ 141 - 145) :-
ذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فقد يطلق عليهما:
-باعتبار ما به تمتاز كل ماهيَّة عن الأخرى، فيكون مشتركًا كالاشتراك اللفظي.
-وقد يكون مطلقًا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين، فيكون لفظًا متواطئًا.
ثم قال:-
ثم إنه في اللغة يكون موضوعًا للقدر المشترك، ثم يغلب عرف الاستعمال على استعماله في هذا تارة، وفي هذا تارة، فيبقى دالًا بعرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز.
وقد يكون (هناك) قرينة، مثل لام التعريف أو الإضافة، تكون هي الدالة على ما به الامتياز.
ولفظ النفاق من هذا الباب:- فإنه في الشَّرع إظهار الدين وإبطان خلافه، وهذا المعنى الشرعي أخص من مسمى النفاق في اللغة فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين.
ثم إبطان ما يخالف الدين:
إما أن يكون كفرًا أو فسقًا .. فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريقة التواطؤ ...
فإطلاق لفظ (النفاق) على الكافر وعلى الفاسق.
إن أطلقته باعتبار ما يمتاز به عن الفاسق -كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك ... وكذلك يجوز أن يراد به الكافر خاصة.
ويكون متواطئًا إذا كان الدَّال على الخصوصية غير لفظ (منافق) بل لام التعريف.
وهذا البحث الشريف جاء في كل لفظ عام استعمل في بعض أنواعه:
إما لغلبة الاستعمال.
أو لدلالة لفظية خصته بذلك النوع. انتهى.
ويقول: ومن كلام العرب وغيرهم أنهم ينفون الشيء في صيغ الحصر أو غيرها، فتارة:
-لانتفاء ذاته
-وتارة لانتفاء فائدته ومقصوده.
ويحصرون الشيء في غيره:
-تارة لانحصار جميع الجنس منه.
-وتارة لانحصار المفيد أو الكامل فيه.
ثم إنهم تارة يعيدون النفي إلى المسمى.
وتارة يعيدون النفي إلى الإسم، وإن كان ثابتًا في اللغة، إذا كان المقصود الحقيقي بالاسم منتفيًا عنه ثابتًا لغيره كقوله:"يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم"المائدة:168.
فنفى عنهم مسمى الشيء، مع أنه شامل في الأصل لكل موجود من حق وباطل، ولما كان ما لا يفيد وما لا منفعة فيه يؤول إلى الباطل الذي هو العدم، فيصير بمنزلة المعدوم. (25/ 87 مجموع الفتاوى/ الطبعة الجديدة) .
ويقول:- فكما أنهم في الإثبات يثبتون للشيء اسم المسمى إذا حصل فيه من مقصود الاسم، وإن انتفت صورة المسمى، فكذلك في النفي، فإن أدوات النفي تدل على انتفاء الإسم بانتفاء مسماه:
-تارة لأنه لم يوجد أصلًا.
-وتارة لأنه لم توجد الحقيقة المقصودة بالمسمى.
-وتارة لأنه لم تكتمل تلك الحقيقة.
-وتارة لأن ذلك المسمى مما لا ينبغي أن يكون مقصودًا، بل المقصود غيره.
-وتارة لأسباب أخرى. (25/ 89 مجموع الفتاوى/الطبعة الجديدة) .
يقول أبو قتادة: هذه القاعدة لو تأملها طالب العلم لعلم من أين يؤتى أهل البدع، إذ يظنون أن نفي الشيء يستلزم نفي حقيقته لزومًا، وإن إثبات الشيء يستلزم كمال حقيقته"أركانًا وواجبات ومستحبات"جميعا. وهذا هو سبب ضلال الفرق المبتدعة من خوارج ومرجئة وقدرية وجبرية.