والتفريق بين ما كان من الكفر البواح، وبين ما كان ذريعة أو بريدا إليه، فضلا عما هو دون ذلك .. من أوجب الواجبات ... فلا يحل خلط هذا بهذا، أو إلحاق هذا بذاك .. فذلك تطفيف مناف لميزان العدل الذي قامت به السموات ... وها هنا مزلة الأقدام وإباحة الدماء المعصومة والأموال .. وقد حذر علماؤنا المحققون من ذلك أشد التحذير، وتورعوا فيه أعظم الورع .. ومن أدام الجرأة على ما تورع فيه أسلافنا، فإنما على نفسه جنايته، وبدينه يغامر ويقامر .. وكل من يعرفنا ويعرف كتاباتنا يعلم أن إنكارنا لتكفير تلك الطوائف أو الجماعات لا يعني بحال الدفاع عن انحرافاتها، أو الترقيع لأخطائها، أو حتى التشجيع وحث الشباب على الانضواء تحت راياتها .. فذاك شيء وهذا شيء آخر، خصوصا مع تشعب الواجبات وتعدد الأولويات على المسلمين في هذا الزمان .. إذ ما نتمناه ويؤرقنا، وندعو ونتطلع إليه ونربي الشباب عليه ونعدهم من أجله هو جهاد رباني المنهج والقيادة، واضح الراية، بيّن السبيل .. ولا نسمح لأنفسنا أن نحث الشباب أو نشجعهم أو ندعوهم إلى غير ذلك .. لكن وإلى أن يفتح الله علينا ويهيئ لنا الفرصة لمثل ذلك الجهاد، فلا يجوز أن نقف حجر عثرة بفتاوى أو أحكام قصيرة النظر، كليلة عن إدراك مقاصد الشريعة ومعرفة واقع المسلمين: فنصد عن كل قتال أو جهاد يقوم في الأرض يدفع فيه الصائل عن المسلمين المستضعفين أو مقدساتهم، بدعوى ما يتخلله من أخطاء أو انحرافات .. فلله حكمة بالغة في خلقه الخلق ومداركهم وتطلعاتهم على درجات .. فإن كنت يا عبد الله تروم جهادا ربانيا خاليا من تلك الشوائب والشبهات، وتشحّ بنفسك أن تبذلها إلا بمثل هذا الجهاد، فلك هذا، ولا يحل لأحد إنكاره عليك، فما هي إلا نفس واحدة، وليس ثم غيرها لتجرب بذلها هاهنا، ثم هاهنا .. ثم هاهناك .. لكن حذار أن تصدّن غيرك عن جهاد يجيزه بل يوجبه الشرع أحيانا: لمجرد ما فيه من هنات أو أخطاء أو تشوهات ..
بل سأذهب بحديثي أبعد من ذلك فأقول: حذار أن تصدّن عن قتال لأعداء الله، ولو كان المقاتلون ممن لا خلاق لهم وليسوا على سبيل المؤمنين .. فلقد هالني ما قرأته من كلام بعض المتسرعين ممن ينقصهم الوعي بالواقع ولم يوفقوا للنظر في مقاصد الشريعة وما جاءت لتحقيقه من مصالح وغايات، كيف يهاجمون عموم الناس المواجهين لليهود في هذه الأيام على إثر تدنيسهم المسجد الأقصى ويثبطون أو يصدون عوام الناس عن تلكم المواجهات، بدعوى أن أولئك المواجهين لا يمتون إلى الدين بصلة، بل كثير منهم كفار ولم يسجدوا لله يوما سجدة، ومنهم من يبارز الله بالمسبة .. !!
فأي فقه أعوج هذا الذي يدعو إلى تهوين جرائم اليهود بمثل هذه الدعاوى .. شاء أصحابه أم أبوا؟؟ وإلى متى يبقى هؤلاء الدعاة يغطون في هذه السلبية واللامبالاة. في الوقت الذي حاز فيه قصب السبق في استغلال مثل هذه المواجهات، بل وتقدم الصفوف في الميدان؛ كل نطيحة ومتردية من العلمانيين و الباطنيين أو غيرهم من المنحرفين.؟ أوليس الوعي بسبيل المجرمين والنضوج في معرفة واقع المسلمين يقتضي إن لم نشارك؛ أن لا نقف في وجه مثل هذه المواجهات، وأن لا نقف حجر عثرة في مثل هذه الميادين؟؟ أو ليس هذه المواجهات كيفما كان حال أهلها، ما دامت تفهم في العالم كله على أنها غضبة للأقصى المبارك، وتحسب على أنها انتفاضة للمقدسات: تنبئ العالم كله، وعلى رأسهم أعداء الله اليهود أن ثمن انتهاك مقدسات المسلمين باهظ جدا، وتثمر ولو بعد حين استبانة لسبيل المجرمين أو وعيا بكيد الأعداء لهذا الدين وتكالبهم على حرب أهله، الشيء الذي قد يتمخض عن رجعة إلى الدين .. ؟؟ أين الوعي بواقع المسلمين، و معرفة تشعب الواجبات في هذا الزمان عليهم، الذي يقتضي حكمة وروية بالغة ونظرة ناضجة في التعامل مع الأحداث؟ وأين الفقه الواسع لقوله تعالى:"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".